تبسَّمُ إيماضَ الغمامةِ جَنَّها ... رِواقٌ من الظلماء في منطقٍ نَزْرِ(1)
ويلمُّ الشاعر بصورة أخرى تشمل الأمطار والرياض المزهرة ورائحة حبيبته وطيبها، ويقدمها معتمداً على الاستدارة الفنية، التي يرى من خلالها أن هذه الروضة التي تضم كريم النباتات والأزهار الفواحة والتي تعاقب عليها المطر مما جعل عبقها دائم الأريج، ليست أطيب من رائحة حبيبته بعد هجعة من الليل، بل إن بهجته بعطرها وأريجها كما بهجة الحياة والصباح برائحة الأرض والنبات يقول:
فما روضةٌ من حرّ نجدٍ تهلّلتْ ... عليها سماءٌ ليلةً والصَّبا تسري
بها ذُرَق غضُّ النبات وحنوةٌ ... تعاورها الأمطارُ كفراً على كَفْرِ
بأطيبَ منها نكهةً بعد هجعةٍ ... ونشراً ولا وعساءُ طيبةُ النشرِ(2)
ويستظل القطامي ظل الأقحوان الذي أسقي ماء المطر، ويستمد منه رطوبته وامتداد شذاه، في وصف أسنانها البيضاء النظيفة البراقة يقول:
كأنَّ ثناياها ذرى أقحوانةٍ ... علاها ندى الشؤبوبِ ساعةَ صابا(3)
ويعكس في صورة أخرى احتضانه لمخلوقات البيئة الصحراوية وحنوه عليها، فيصور صاحبته بيضة حيوان صحراوي حفر لها حفرة في الرمال اللينة التي تضم بعض النباتات البرية كالحوذان والعذم مما موّه هذا العش وأخفاه وأمده بالظل والأمان يقول:
كأنها بيضةٌ صفراءُ خَدَّ لها ... في عثعثٍ يُنْبِتُ الحَوْذانَ والعَذَما(4)
ويقرن جمال جسد صاحبته وحسنها الفتان إلى جمال سحابة باردة تستهل ماءها في أرض عطشى يقول:
(1) المصدر السابق:952 الرواق: الأعالي من كل شيء. جنها: ألبسها. نزر: أي قليل.
(2) المصدر السابق: 958 من حر نجد: أي من كريمها وعتقيها. تهللت: سالت. سماء: يريد المطر. الصبا: تسري ليلاً للمطر. ذرق: نبات كفراً على كفر: أي مطرة على مطرة. تعاورها: أي تأتيها مرة بعد مرة. هجعة: نومة. النشر: الرائحة. الوعساء الرملة اللينة.
(3) ديوان القطامي: 159 الشؤبوب: أول كل شيء. ...
(4) ديوان القطامي: 98.