ويتكئ كثير على هذه الصورة أيضاً فيستخدمها لتصوير مصير علاقته بعزة، فيراها كأنها السحابة الوارفة التي يرتجيها المتعب الشديد الإرهاق، إلا أنها تخذله وتسرع في تجاوزه، بل إنها سحابة مطيرة لا يرتجيها هذا المتعب ليتفيأ ظلالها فحسب، بل لما فيها من بعث الحياة وإشاعتها في أرض قاحلة مجدبة تنتظر قطرة ماء من هذه السحابة التي تخلف ظنه فتنثر خيرها بعيداً عن هذه الأرض العطشى، وكذلك هي عزة في خيال كثير. إنه يصدر عن نفسه ويصور ما يجيش بها من الحرمان والشعور بالحسرة والأسى فأخذ يسقط مشاعره على هذه اللوحة الطبيعة التي تثير الإحساس بالجفاف والهاجرة. يقول:
وإني وتهيامي بعزّةَ بعدما ... تخلّيتُ ممّا بيننا وتخلّتِ
لكالمرتجي ظلَّ الغمامةِ كلّما ... تبوّأَ منها للمقيل اضمحلّتِ
كأني وإياها ساحبةٌ مُمْحِلٍ ... رجاها فلّما جاوزْتُه استهلَّتِ(1)
ولم تكن السحابة البيضاء الرّخية الندية الماثلة بين النجوم أجمل من بثينة في خيال جميل، ولكن جميلاً يلمّ بصورته إلماماً خاطفاً دون أن يستقصي مظاهر الجمال في السحابة وخيرها، ويمضي سريعاً إلى بثينة، يقول:
فما مزنةٌ بين السَماكين أومضَتْ ... من النورِ ثم استعرضَتْها جنوبُها
بأحسنَ منها يومَ قالتْ وعندنا ... من الناسِ أوباشٌ يُخافُ شُغوبُها
تعاتَبْتَ فاستْعتبتَ عنا بغيرنا ... إلى يوم يلقى كلَّ نفسٍ حَسِيبُها(2)
وهي في طيبها وجمالها تشبه حديقة غناء بأزهارها الفواحة المتنوعة التي ينتشر شذاها الطيب بعد أن يلامسها مطر الربيع الندي فيمدها بطاقة سحرية من الجمال والبهاء في قول جميل الآتي:
يا خليليَّ إِن أمَّ حسينٍ ... حين يدنو الضجيجُ من يحَللِهْ
(1) المصدر السابق 95 التهيام: مصدر المبالغة من الهيام. تبوأ: أقام في المكان. سحابة ممحل: سحابة بلد مجدب. استهلت: أرسلت أمطارها. أي هو الممحل وهي السحابة.
(2) ديوان جميل 31 المزنة: السحابة البيضاء. السماكان: نجمان. أوباش: أخلاط. استعتب: رضي.