وسلامةُ الكبرى غديرٌ وروضةٌ ... وسلامة الصغرى غزالٌ مُرَبَّبُ(1)
وبدتْ لنا من تحت كِلَّتِها ... كالشمسِ أو كغمامةِ البرق(2)
من نسوة كالبيضِ في الـ ... أدْحيِّ بالدِّمث المطيرة(3)
أما العذريون فكانوا أقل احتفالاً بالصورة عامة، وتراجعوا إلى داخل نفوسهم يستخرجون منها شحنات عاطفية جسدت موقفهم من الحياة والمجتمع. ولكن أشعارهم لا تخلو من بعض المحاولات الفنية التي تستمد من الطبيعة وعناصرها بعض مواد الجمال وتمزج بينها وبين جمال محبوباتهم وهم لا يخرجون فيها عن الذائقة الفنية السائدة في تراثهم وبيئتهم. فالمجنون يرسم صورة فنية لليلى يقارن فيها بينها وبين الشمس، فيراها تزيد الشمس في ابتسامتها وثغرها الجميل، بل إنها ساطعة منيرة تضاهي الشمس والقمر.. وتزيد عليهما بصدرها الجميل وعينيها المكحولتين ونظرتها الفاترة وكذلك بدلالها وفتنتها: يقول:
ففيكِ من الشمسِ المنيرةِ ضوؤها ... وليسَ لها منكِ التبسُّمُ والثغرُ
بلى لكِ نورُ الشمسِ والبدرِ كلُّه ... ولا حملَتْ عينيكِ شمسٌ ولا بَدْرُ
لك الشرفةُ اللألاءُ والبدرُ طالعٌ ... وليس لها منك الترائبُ والنحرُ
ومن أينَ للشمس المنيرة بالضحى ... بمكحولةِ العينين في طرفها فَتْرُ
وأنىّ لها من دَلَّ ليلى إذا انثَنتْ ... بعيْنَيْ مهاةِ الرملِ قد مَسَّها الذعرُ(4)
ويقترن جمال الطبيعة بصورة المرأة وجمالها في خيال كثّير في هذه الصورة التي اعتمد فيها على أسلوب الاستدارة التشبيهية، وعقد فيها مقارنة بين الروضة المزهرة الغناء وبين رائحة عزة بعد هجعة من الليل، يقول:
فما روضةٌ بالحَزْنِ طيبةٌ الثرى ... يَمُجُّ الندى جَثْجاثها وعَرارُها
بمنخرقٍ في بطنِ وادٍ كأنما ... تلاقتْ به عطارةٌ وتجارُها
أفيدَ عليها المسكُ حتى كأنها ... لطيمةُ داريَّ تفتٍّقَ فارُها
(1) المصدر السابق: 27.
(2) المصدر السابق: 31.
(3) المصدر السابق: 44 وهو أخصب لها. ولايبيض النعام إلا في ألين المواضع..
(4) ديوان المجنون 128.