واستمر الشعراء في العصر الأموي ينهلون من الطبيعة، بل إن الشعراء الأمويين ربطوا خيالهم بخيال شعراء العصر الجاهلي، ورأوا بأعينهم كل ما وقعت عليه أخيلتهم وتصوراتهم من مشبهات بسيطة تصور حياتهم في الصحراء العربية، وحاول هؤلاء جميعاً أن يربطوا كل مظاهر الجمال في الطبيعة بتصورهم للمرأة، فاصطفوا أجمل مشاهد الطبيعة وقرنوها بجمال محبوباتهم، فاختاروا من الطبيعة الرياض المزهرة، وخصّوا من الأزهار الأقحوان والقرنفل في صفة الأسنان وطيب الفم. ومن السماء اختاروا: الغيوم والأمطار لصفة مشيتها وخصوبتها، وضمّوا إلى ذلك النجوم والأقمار في وصف جمال وجهها ولونها، ومن الصحراء اصطفوا رمالها وكثبانها لوصف بعض أجزاء من جسمها، وتخيّروا من الحيوانات أجملها: كالغزال والبقر الوحشي في صفة الرشاقة والقد والعيون والحنان.
ففي الشعر الحجازي الحضري الذي مثّل حياة الرفاه والتحضر كانت صورة المرأة تستمد ألوانها وإيحاءاتها من الطبيعة، حتى أوشكت بعض المشاهد الطبيعية أن تصبح صفة دائمة أو اسماً يغني عن صاحبته، ففمها يشبه النبات أو البرد ورائحته رائحة الأرض بعد الندى، وفي عذوبة الريق يذكر العسل والخمر، وفي تصوير وجهها تُسْتَدعى صورة الشمس أو القمر، وفي رشاقتها صورة المهاة أو الظبي، وفي شعرها تذكر العناقيد، كما تذكر في تصوير قامتها الأغصان، وفي وصف عجيزتها الكثبان إلى آخر هذه الصفات، وتتلاحق في شعر عمر بن أبي ربيعة مشاهد الطبيعة ومكوناتها مقترنة بصورة المرأة، فعندما يستدعي صورة الغزال أو الظبي أو الشادن أو الجؤذر وغيرها من المفردات التي أصبحت مرادفات طبيعية تغني عن ذكر المرأة، نراه يقدمها بسيطة من غير تعمق أو رصد دقيق لمكونات الجمال أو تفاصيله، بل هو يكتفي بذكر اسم هذه الحيوانات ويترك للصورة مجالاً حراً في إثارة إحساس الجمال في خيال المتلقي، يقول:
- إنما أنتِ ظبيةٌ ... من إكامٍ عشائب