وبما أن العمل الشعري متميز من الواقع الحياتي لأنه رؤية فنية لهذا الواقع"إذ يستمد مادته من واقع الحياة من حوله ولكن هذا الواقع على الرغم من ذلك يستحيل في الشعر إلى واقع آخر متميز من الواقع الحقيقي الذي صدر عنه، لأن الفن عامة والشعر خاصة لا يقصدان إلى تصوير الحياة كما هي في ححقيقتها تصويراً فوتوغرافياً"(1) فإننا نتوقع وجود فروق واضحة بين واقع المرأة وصورتها الفنية، بل إن الشعر أو الفن عموماً يبتعد عن هذه الملاصقة وينظر من زوايا بعيدة، فيجمل الواقع ويرمز إليه، وتكون الصورة الشعرية تعبيراً عن مضامين ورؤى خاصة قصد إليها الشعراء من خلال أدواتهم الفنية.
وسأجعل حديثي عن الصورة في ثلاثة مباحث هي:
1- منابع الصورة أو مصادرها.
2- أنماطها البنائية.
3- الصورة بين التقليد والتجديد.
وسأحاول في كل مبحث من هذه المباحث أن أكشف عن الفروق بين الشعراء، وأن أعلل هذه الفروق. كما سأحاول تذوق الصور التي أمثّل بها، والكشف عن قدرتها على التعبير والإيحاء والدلالة.
1- منابع الصورة أو مصادرها:
بين الشعر العربي والطبيعة صلة رحم واشجة، فقط استمد مادته من الجميل فيها، وظل يحنو عليها ويضمها إليه حتى أصبحت مصدر حياته واستمراره، ولم ينقطع دأب الشعراء عن رعاية هذه الأم العظيمة القادرة على بعث الإلهام والمانحة للشاعرية في مختلف العصور الأدبية.
ففي الشعر الجاهلي كانت الطبيعة بكل مظاهرها: الصحراء برمالها ونباتها وحيوانها، تعانق عناصر الطبيعة الأخرى كالشمس والقمر والرياح والأمطار، فتشكل مورد الشعراء الأساسي الذي يستمدون منه صورهم، وينمّون خيالهم، ويصقلون إحساسهم الجمالي ويرتقون به فيبدعون أجمل القصائد.
(1) بين القديم والجديد 8.7