وفي حديث الطيف أيضاً أحيا شعراء العصر الأموي المعاني الجاهلية، فالطيف لا يزور إلا بآخرة من الليل، فيعجب الشاعر من اهتدائه إليه على بعد المسافة بينهما، ومن قدرته على تمييزه عن أصحابه المتعبين المنهكين من طول السفر ومشاق الرحلة، وهي زيارة قصيرة تفرّ من النفس قبل أن يستمتع الشاعر بها، ولا ينسى هؤلاء الشعراء أن يلموا بوصف صاحبة الطيف المعطرة الجميلة. فلنستمع إلى القطامي وهو يدور حول هذه المعاني في حديثه عن طيف محبوبته، ولكنه لا ينسى أن يبث في نشيده أنفاساً من الحسرة والأسى على الحياة الماضية يقول:
طرقَتْ جَنوبُ رحالَنا من مَطرقِ ... ما كنت أحسبُها قريبَ المعنقِ
قطعتْ إليكَ بمثلِ جِيْدِ جِدايةٍ ... حَسَن المعلَّقِ ترتجيه مطوَّقِ
هلاّ طرقْتِ إذِ الحياةُ لذيذةٌ ... وإذِ الشبابُ قميصُهُ لم يَخْلُقُ(1)
ويزور الخيال جريراً على بعده فيتشاغل عنه بأمور حياته الأخرى، غير أنه ما إن يراه حتى يتمسك به ويتغزل بصاحبته النظيفة الفم الجميلة العيون، فيستحضر هذه العناصر المادية من حسنها ليثبت لنفسه أن الزيارة كانت حقيقة:
طرقتكَ صائدةُ القلوب وليس ذا ... وقتُ الزيارةِ فارجعي بسلامِ
تُجري السّواكَ على أَغَرَّ كأنه ... بَرَدٌ تحدّر مِنْ متونِ غَمامِ
لولا مراقبةُ العيونِ أرَيْنَنا ... مُقَلَ المها وسوالفَ الآرامِ(2)
أما المعاني التي سادت حديث الشيب والشباب فهي المعاني الموروثة عينها من دوران حول إعراض النساء عن الشاعر وقسوتهن عليه بسبب تصابيه ونفورهن منه إلى الشبان، ثم يسرد أحوال المرأة النفسية، ويعرض خبرته بأمور دهائها ومكرها.
ففي هذا الحوار الذي يسجله جرير بينه وبين إحدى النساء ينقل لنا إنكارهن لما هو فيه ودعوتها له للكف عن الصبابة، فيجيب بانكسار يفضح عدم قدرته على أن يدفع عن نفسه ما هو فيه، يقول:
قالت بَلِيْتَ فما نراكَ كعهدِنا ... ليتَ العهودَ تَجدَّدتْ بعد البلى
(1) ديوان القطامي 105.
(2) ديوان جرير 990.