تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقالوا يا جميل أتى أخوها ... فقلت أتى الحبيب أخو الحبيب(1)

ومعنى هذا كله أن أشعار هؤلاء العذريين كانت تدور حول فكرة واحدة أو أفكار قليلة متشابهة، أو حول تجربة إنسانية واحدة أو تجارب إنسانية قليلة متشابهة، فكلهم يدور في فلك هذه التجربة العاطفية المحرومة على نحو ما يهديه حسّه أكثر مما يهديه عقله، وقد وسمت هذه المعاني العاطفية والملامح النفسية تجاربهم كما وسمت شعرهم وميزته من سائر شعر الغزل في عصره، بل وفي العصور اللاحقة أيضاً. ولكننا نستطيع بيسر أن نجد تباشير هذا التيار العاطفي الرقيق في شعر المتيمين الجاهليين كالمرقشين الأكبر والأصغر وعنترة.

ولم يخرج الشعراء الأمويون التقليديون في حديثهم عن المرأة على المعاني الجاهلية بل رددوا كثيراً منها، وعملوا على بعث التراث الجاهلي حياً من جديد في أغلب موضوعاتهم وخاصة المقدمات التي توزعت على حديث الأطلال فجاء يتضمن المعاني الجاهلية ذاتها من وصف للديار ولما بقي من آثارها وما تعاقب عليها وأدى إلى تغير ملامحها من رياح وأمطار، ثم الحديث عمن حل بها من الحيوان والطير، والعودة بالذاكرة إلى الماضي أيام كانت الديار عامرة بأصحابها تحتضن مرابع الطفولة والصبا، ثم الوقوف على تأمل هؤلاء المحبوبات واستدعاء جمالهن أيام الصفاء والمودة معهن وكذلك أسلوب التحية واستيقاف الأصحاب واستعجام الديار والبكاء فيها كما في مقدمات ذي الرمة والأخطل التي مرت في الفصل السابق.

واستمرت المعاني الجاهلية أيضاً في الشعر الأموي في مقدمة الظعن، وردّد الشعراء الحديث عن رسومها الفنية من مشهد الاستعداد للرحيل إلى وصف الهوادج وألوانها وتبصر الطرق التي تشكلها، والحداة الذين يهدونها ويغنون لها، ثم وصف جمال صواحبها والعودة إلى نفوسهم لتصوير أحزانهم لفراق هؤلاء النسوة وبعدهن عنهم.

(1) ديوان جميل: 35.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٩٧