أما في الشعر العذري فكانت منظومة المعاني لا تخضع إلا للتدفق العاطفي الذي يفيض بين جوانح الشاعر فيفرغه في أشعاره دونما اهتمام بعمق الفكرة وتقليبها على وجوهها، فهّمه محصور في البوح بما يحسه في نفسه بوحاً صادقاً شفافاً ريّان بالعاطفة، ولذا تبدو معاني هذا الشعر معاني بسيطة قريبة من النفس يحكمها تيار الوعي الذي تتداعى فيه المعاني على غير نظام أو ترتيب، ولكنها معان تصدر عن القلب أكثر مما تصدر عن العقل، وتعبر عن الحب والهيام.
وكان الدكتور شكري فيصل قد أشار إلى هذه الملاحظة بقوله: "لم تكن المعاني موطن اهتمام الشاعر وغاية حرصه، إنه حين يتحدث، لا يتحدث لأن فكرة ما قد تبلورت في ذهنه، ولكنما يتحدث لأن عاطفة عارمة كانت تجيش في صدره... لذلك لا يهمه أن يكون هذا المعنى طريفاً أو مطروقاً، وكل الذي يهمه هو أن يعبر عن هذا الفيض النفسي الذي ملأه كائناً ما كان من المعاني في ذلك... إن الجانب الانفعالي من نفسه الشاعرة هو الذي يستبد بكل اهتمامه"(1).
فكانت فكرة أشعارهم واحدة ومعانيها واحدة أيضاً، إنها فكرة الحب، بل إنها الحبيبة بكل ما اتصفت به في أشعارهم من معاني السلبية والجبروت والتكبر والتمنع والحصانة والبخل والأزورار، فهي التي تقرر سعادة الشاعر أو شقاءه وهي امرأة شبه مقدسة قادرة على تغيير الخصائص الموضوعية للأشياء، فماء البحر يغدو بريق بثينة عذباً فراتاً كما في قول جميل:
فلو تفلت في البحر والبحر مالح ... لعاد أُجاج البحر من ريقها عذبا(2)
وماء السيل يمرّ قريباً من ديار ليلى فيتلقى طيبها فيطيب كما يزعم المجنون(3)، وهي تهب مَنْ حولها الحياة وتمنحه السعادة وتفيض عليه حباً، فهي-فيما يزعم هؤلاء الشعراء- قادرة على ردّ الروح للشاعر، وأهلها أحباب الشاعر لا يختلفون عنها في المنزلة من النفس كما يزعم جميل:
(1) تطور الغزل 326.
(2) ديوان جميل: 36.
(3) ديوان المجنون: 52.