وتَبْسُم عن غُرِّ شتيتٍ نباتُه ... له أشرٌ كالأقُحوانِ المُنَوّرِ(1)
وامتدت أيضاً لوحة وصف المحاسن فشملت قصائد مختلفة، وكرّر معظم الشعراء معاني الجمال الحسي المتداولة المعروفة في الشعر الجاهلي، من الإشراق في اللون إلى الخد الأسيل إلى نظرة وحش الوجرة المطفل إلى الأسنان المنورة واللثات الغامقة وجيد الرئم والفرع الأسود المتعثكل والترائب المصقولة والخصر المهفهف والبطن الضامر والروادف الريا والأصابع الرخصة والساق البردية والرائحة الفواحة والمشية المترنحة وغيرها من ملامح الحسن التي تمثلها صور المها والغزالة والشمس ودرة الغواص ودمية المحراب والكثبان وغصون البان الطرية والرياض بأزهارها ونسائمها. ولعلنا نذكر هنا ما ورد في فصل سابق من هذا البحث، عندما تحدثت عن جمال المرأة، والصفات التي أعجبت شعراء هذا العصر. وكيف أنها كانت الصفات ذاتها التي أعجب بها الشعراء في العصر الجاهلي، وأن النموذج الأول لوصف جمال المرأة كان في معلقة امرئ القيس، ثم نسخت معانيه وتكررت في أغلب صور الشعر الأموي ومعانيه. والأمثلة كثيرة جداً على ذلك، ولعل بعضها يكفي شاهداً ودليلاً، فقد تحول يوم "دارة جلجل" إلى "ليلة ذي دوران" عند عمر بن أبي ربيعة، وتقمص روح شاعره الخالدة في فكرة المغامرة ومعاني المساعاة الليلية، وفي "سّموه إليها بعدما نام أهلها" وحكى كيف "رُوّعت من قدومه" ثم "صارت إلى الحسنى ورق كلامها" وكيف "أصبح معشوقاً" على نحو ما صار عمر، فهو عليها "أمير مؤمر" وكلاهما مغامر يستيقظ في نفسه حس الفارس فيقول امرؤ القيس: "أيقتلني والمشرفي مضاجعي" ويقول عمر: "فقلت أباديهم فإما أفوتهم وإما ينال السيف ثأراً فيثأر".
وكان أستاذه قد قال "خليليّ مرّا بي على أم جندب"، فكرر وراءه: "خليليّ مرّا بي على رسم منزل"، وكان قال:
(1) المصدر السابق 104 تبسم عن غر: أراد فمها. أي أسنانها غير متلاصقة. الأشر: حدة الأسنان