تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يتعب الباحث كثيراً في ملاحظة مدى التشابه بين امرئ القيس وشعراء العصر الأموي ولا سيما عمر بن أبي ربيعة، أو بين الأعشى وبينهم، أو بين النابغة وزهير وبينهم جميعاً.

فالمعاني التي رسمت صورة المرأة الأموية تحدرت من أصل جاهلي، ولا ينكر أن بعض الشعراء قد صاغوا تلك المعاني القديمة صياغة مطبوعة بطابع عصرهم، ومختلفة بعض الاختلاف عن الصياغة الجاهلية، فقد يشعب الشاعر في أحد المعاني، ويولد منه صورة تمتد عدة أبيات على نحو ما نرى في تصوير عمر بن أبي ربيعة للفم في قوله:

فَسَقَتْكَ بَشْرةُ عَنْبَراً وقرَنْفُلاً ... والزنجبيلَ وخِلْطَ ذاكَ عُقارا

والذوبَ من عَسَلِ الشّراةِ كأنما ... غَصَبَ الأميرُ تَبيعَهُ المُشتْارا

وكأنَّ نُطْفة باردٍ وطَبر زَداً ... ومُدامةً قد عُتّقت أَعْصارا

تجري على أنيابِ بَشْرةَ كلّما ... طرقتْ ولا تدري بذاك غرارا(1)

وليست تتمثل الجدة هنا بهذه الإطالة فحسب، بل تتمثل أيضاً في هذا الحديث المباشر عن الفم المملوء بهذه الجزئيات الكثيرة من العنبر والقرنفل والزنجبيل والعقار والعسل والماء مما يشي بروح التحضر التي يصدر عنها هذا الشاعر، وقد كان سلفه الجاهلي يستطرد حقاً في تصوير هذا الفم، ولكنه لم يحشد كل هذه الجزئيات ولم يكن -إذا حشدها- يتحدث عن الفم هذا الحديث المباشر، بل كان يلجأ إلى الاستطراد في معرض الصورة كأن يصّور طيب الريق أو الرائحة من خلال حديثه عن روضة من الرياض مثلاً. وقد يختصر الشاعر المعنى ويوجزه في بيت واحد كما في قول عمر نفسه يصف أسنانها المتباعدة التي تشبه زهر الأقحوان الندي:

(1) ديوان عمر 128 بشرة اسم امرأة: خلط ذاك أي مخالطة. الذوب: الذائب المشتار الذي يجني العسل من كوراته. الطبرزد: السكر الأبيض أصلها فارسية. المدامة: الخمر عتقت أعصاراً أي بقيت في دنها زماناً طويلاً.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٩٢