إلى أي مدى اختلفت المرأة في المجتمع الأموي عن أختها الجاهلية في صفاتها وملامحها وقيمها؟ وإلى أي مدى اختلفت صورة الجمال المثالي في العصر الأموي عنها في العصر الجاهلي؟ وإلى أي مدى عبّر الشعر عن هذا التطور الذي أصاب الذوق والحس الجمالي؟
لقد جاء الإسلام بكنوز من القيم الاجتماعية والخلقية والدينية وغيرها، ولكنه لم ينسخ القيم القديمة كلّها، بل نسخ بعضها، واحتضن بعضها وطبعه بطابع إسلامي، ولسنا نبعد عن الواقع إذا قلنا إن ما فعلته منظومة القيم الإسلامية في وجوه الحياة المختلفة قد فعلته أيضاً بمفهوم الجمال الأنثوي، فقد استمرت قيم جمالية جاهلية كثيرة تتردد على ألسنة الشعراء الأمويين، وقد ترددت على ألسنتهم قيم جمالية أخرى لم يكن للشعر العربي عهد بها قبل ظهور الإسلام. ولذا فإن الناظر في الشعر الأموي الذي اتخذ المرأة موضوعاً له يلاحظ بوضوح مجموعة من المعاني التقليدية التي فرضت سلطانها على الشعراء عامة وعلى من عرف منهم بإخلاصه للنموذج الجاهلي خاصة. كما يلاحظ مجموعة من المعاني والقيم الإسلامية الجديدة تتلألأ في هذا الشعر على تفاوت في مقاديرها من شاعر إلى آخر. وبناء على ما تقدم يمكنني إذاً عرض الأفكار والمعاني التي تناولت المرأة في الشعر الأموي من خلال تيارين ثقافيين تأثر بهما الشعر في العصر الأموي هما: التيار الجاهلي القديم، والتيار الإسلامي الجديد.
وموضوع الحب من أكثر الموضوعات الشعرية التي أحيت التراث الشعري الجاهلي بلغته الحية القادرة على اختزان المشاعر الدافقة وإبقائها في تدفع وإشعاع نابض في الحياة لا يكاد يخبو على تقادم الزمن.
وفي هذا الجانب من الشعر الأموي -الحب والمرأة - ظلت المعاني الجاهلية تفرض سلطانها على الحديث عن المرأة وأياً كان موقع هذه المرأة من القصيدة، وظلت خيوط الارتباط بالنموذج الجاهلي وثيقة جداً.