ولما رأيت الصدّ منها ولم تكن ... ترقُّ لشكواتي شكوتُ إلى ربيّ(1)
ومن الملاحظ أن قصائد الشعراء العذريين تدور حول محاور ثابتة من الذكريات والأحلام والأمل، وتضمّ ذلك كلّه سلبية قاسية من الشاعر والحبيبة معاً. وتتكرر هذه الملامح النفسية في شعر جميل وكثيّر وذي الرمة، على الرغم من اختلاف تجربة ذي الرمة الفنية عن سائر الشعراء العذريين، يقول جميل:
يا بثنُ جودي وكافي عاشقاً دنِفاً ... واشْفي بذلك أَسقامي وأوجاعي
إنَّ القليلَ كثيرٌ منك ينفُعني ... وما سواه كثيرٌ غيرُ نفّاع
آليتُ لا أصطفي بالجودِ غيرَكمُ ... حتى أُغيَّبَ تحت الرَّمْس بالقاع
قد كنت عنكم بعيدَ الدار مغترباً ... حتى دعاني لحيْني منكمُ داعِ
فاهتاج قلبي لحزنٍ قد يضيِّفُه ... فما أُغمِّضُ غَمضْاً غيرَ تهجاعِ
أَصونُ سرَّكِ في قلبي وأحفظُهُ ... إذا تضايقَ صدرُ الضيِّقِ الباعِ(2)
وكان ذو الرمة يرى "الحب مغامرة خلف المرأة وصراعاً من أجلها، يسره فيه أن يسوء الغيور ويساعف حاجات الغواني ويساير ركبان الصبا التي تغريه بالاندفاع خلفها والانطلاق وراءها، يتمثله بخياله الصغير عيوناً جميلة وأجساداً ممتلئة ناعمة ونساء ظامئات إلى الشباب متعطشات إلى الحب يخفين في قلوبهن أهواءهن التي تظهر على الرغم من كل شيء في عيونهن الطامحة المتطلعة إلى بعيد"(3) يقول:
لعمركَ والأهواءُ من غيرِ واحدٍ ... ولا مُسْعفٍ بي مولعاتٌ سوانحُ
لقد منح الوُدَّ الذي ما ملكْتَهُ ... على النأي ميّاً من فؤادِك مانحُ
وإن هوى صيداءَ في ذات نفسه ... بسائرِ أسبابِ الصبابةِ راجحُ
لعمرُك ما أشواني البينُ إذ غدا ... بصيداءَ مجذوذٌ من الوصلِ جامح
(1) ديوان المجنون 76
(2) ديوان جميل 122
(3) ذو الرمة شاعر الحب والصحراء 105