متى يشتفي منكِ الفوادُ المعذَّبُ ... وسهمُ المنايا من وصالِك أقربُ
فُبْعدٌ ووجْدٌ واشتياقٌ ورجْفةٌ ... فلا أنتِ تُدْنيني ولا أنا أقرب
كعصفورة في كفِّ طفلٍ يُزُمُّها ... تذوقُ حياض الموتِ والطفلُ يلعبُ
فلا الطفلُ ذو عقلٍ يَرِق لما بها ... ولا الطيرُ ذو ريش يطيرُ فيذهب
ولي ألفُ وجهٍ قد عرفتُ طريقَهُ ... ولكن بلا قلبٍ إلى أينَ أذهب؟(1)
ولا يمل الشاعر من ترديد هذا النشيد الحزين بل لا يجد نفسه إلا في هذا الخضوع السلبي لشخصية هذه المرأة الصلبة التي لا تلين لما به، ولا ترق لحاله، فهو حيران مهزوز لا يستطيع أن يملك من أمر قلبه ولا عقله أي شيء:
فو اللهِ ثم اللهِ إنّي لدائبٌ ... أفكّرُ ما ذنبي إليكِ فأَعجبُ
وواللهِ ما أدري عَلامَ هجرتني ... وأيَّ أموري فيكِ يا ليلَ أركبُ
أَأَقطعُ حبلَ الوصلِ فالموتُ دونَه ... أم أُشربُ كأساً منكُمُ ليس يُشْربُ
أم أُهربُ حتى لا أرى لي مجاوراً ... أم أفعلُ ماذا أم أبوحُ فأُغْلَبُ
فأيُهما يا ليلَ ما تفعلينَه ... فأولُ مهجورٌ وآخرُ مُعْتبُ
فلو تلتقي أرواحُنا بعد موتِنا ... ومن دون رَمْسَينا من الأرض مَنْكَبُ
لظلَّ صدى رَمْسي وإن كنتُ رمَّةً ... لصوتِ صدى ليلى يهشُّ ويطربُ(2)
وعلى الرغم من كل مشاعر الحب التي يحملها لها في قلبه، وإعلانه عن ذلك الحب العظيم، ومحاولته التأثير فيها، فإنها لا تزداد إلا صلابة وجفوة، فهما كل ما تجود به وتملكه. وتبهت صورة الشاعر وتتحول إلى صدى يردد هذه المرارة الخانقة، ويقنع بمصير قد لا ينفع من كان عقله سليماً:
أُحبُّكِ يا ليلى وأُفِرطُ في حبّي ... وتُبدينَ لي هجراً على البعد والقُرْب
وأهواكِ يا ليلى هوْى لو تَنسَّمتْ ... نفوسُ الورى أدناه صِحْنَ من الكرْب
شكوتُ إليها الشوق سِراً وجهرةً ... وبحتُ بما ألقاهُ من شّدةِ الحب
(1) ديوان المجنون 44
(2) المصدر السابق 45 المعتب: المزال عتبه والمتروك ما كان يغضب عليه.