حتى إذا الليلُ ولّى قالتا زمَرَاً ... قوما بعيشِكُما قد نوّر السحر
فقمتُ أمشي وقامت وَهْيَ فاترةٌ ... كشارِب الخمر بَطّى مشْيَه الّسكَرُ
يسحبنَ خلفي ذيولَ الخزِّ آونةَ ... وناعمَ العَصْبِ كيلا يُعْرَفَ الأثرُ(1)
وتتكرر صورة هذه المرأة في شعر العرجي، فتبدو خاضعة مهمومة برضاه وحبه، ويكثف صورة ذاته حتى تطغى على صورة المرأة، وتحولها إلى شخصية تابعة لمزاجه وفراغه يقول:
فما أنسَ ملأشياء لا أنسَ مجلساً ... لنا ولها بالسفحِ دونَ ثبيرِ
ولا قولها وَهْناً وقد بلّ نحرَها ... سوابقُ دمعٍ ما يجفُّ غزيرِ
أأنت الذي حُدِّثتُ أنك راحلٌ ... غداة غدٍ أو رائحٌ بهجير(2)
حاول عمر وأصحابه أن يقدموا لنا نموذج المرأة الواقعية في البيئة الحجازية المدنية زمن الأمويين، فإذا هي تبوح بمشاعرها الدافقة، وتظهر جزعها وغيرتها وضعفها الأنثوي من غير تقنع أو ستار وذلك أمام الرجل الذي تحب فقط لأنها بدت في القصائد ذاتها كثيرة الحذر والترقب، محاولة التقنع بألف قناع أمام المجتمع الذي يقيّد مشاعرها وعلاقتها بالرجل.
وقد أكسب عمر صورة المرأة هذه الطرافة والجدة المحيّرة من خلال المزج بين واقع المرأة العربية في الحجاز وبين ما يراه في بيئة المغنيات من التحرر الجرأة.
وإذا كان عمر وأضرابه من شعراء مدن الحجاز يسرفون في تصوير مواقف المرأة منهم، فإن الشعراء العذريين يفعلون النقيض، فيسرفون في استبطان ذواتهم وتحليل مشاعرهم نحو الحبيبة، فتبدو المرأة في شعرهم مستبدّة بخيلة تملك أمور قلبها وقلب من يحبها، ويصور حرمانه من المتعة في الحياة على يديها، وتتحول أغنية عشقه إلى نشيد حزين يفيض بمشاعر حالمة رقيقة وغزل يقوم على الوصف المعنوي للعواطف المجردة. يقول المجنون:
(1) المصدر السابق 115 الخصر: شدة البرد. زمرا: أراد بصوت حسن. فاترة ضعيفة لا تقوى على القيام بطى: أصله بطأ بالهمزة فقلب الهمزة ألفاً لانفتاح ما قبلها.
(2) ديوان العرجي: 75 ثبير: جبل بمكة.