انتقل الغزل في الإسلام -كان في الجاهلية جسم المرأة- فأصبح في الإسلام نفس العاشق. فكانوا يصفون المرأة كما ينبغي أن يصفها إنسان يشعر ويحس ويمتاز بشيء من الشعور والحس لا يخلو من رقة ورقي فكانت المرأة شطراً من النفس"(1).
ويرى الناظر في شعر عمر وأصحابه صدق ما لاحظه الدكتور طه حسين، ففي الشعر القصصي تظهر صورة المرأة المحبوبة وصورة الشاعر المحب على نحو ما نرى في قصيدة عمر الرائية المشهورة في "نعم"، ففيها فيض من الشاعر العارمة ومن الغيرة والعتاب، وفيها هذا التصوير العميق الدقيق لنفسية الأنثى التي تتنازعها مشاعر الوجل من ناحية ومشاعر الحب والتمكن من الحبيب من ناحية أخرى:
فحيّيْتُ إذْ فاجأتُها فتولَّهتْ ... وكادت بمخفوضِ التحيةِ تجهرُ
وقالتْ وعضَّت بالبنانِ فضحَتني ... وأنتَ امرؤٌ ميسورُ أمركَ أَعسرُ
فواللهِ ما أَدري أتعجيلُ حاجةٍ ... سرَتْ بكَ أم قد نامَ مَنْ كنتَ تحذرُ
فقلتُ لها بل قادني الشوقُ والهوى ... إليك وما نَفسٌ من الناس تشعرُ
فقالتْ وقد لانتْ وأفرخَ رَوْعُها ... كلاَكَ بحفِظِ ربُّكَ المتكبِّر
فأنتَ أبا الخطّاب غيرَ مدافعٍ ... عليَّ أميرٌ ما مكثت مؤَمَّرُ(2)
قد صارت "نعم" بين يدي حبيبها إلى الخضوع والسكينة والانكسار، فهي تخاف عليه الأعداء وتدعو له بالحفظ الرعاية، وصار "عمر" إلى أمير جبار له عليها الطاعة والظفر، ولا شك في أنّ إعلاء نعم لشخصية "عمر" على هذا النحو يكشف عن رغبتها في إرضاء نرجسيته لتتمكن من السيطرة عليه والاحتفاظ به. ويبدو عمر في موقف آخر كما بدا في صورته السابقة أميراً مؤمّراً على صاحبته، فبعد أن فاز منها بالذي يريد قامت هي ورفيقاتها يسحبن ذيولهن خلف آثاره التي تركها ومضى غير آبه بشيء مما قد تثيره هذه الأثار:
فبتُّ أَلثُمها طوراً ويمنعُني ... إذا تمايل عنه البردُ والخَصَرُ
(1) المرجع السابق: 552
(2) ديوان عمر بن أبي ربيعة 95