أما في القصيدة العذرية فتبدو الصورة معكوسة، فتبرز شخصية المرأة مهيمنة على القصيدة، وتتحول شخصية الرجل -الشاعر- إلى شخصية تابعة هامشية تحاول أن تسيطر على المرأة وتفوز بها.
وأستطيع القول: إن الشعر القصصي الحجازي اختص بوصف الشاعر المحب، المغامر، وتحدث عن المحبوبة وصفاتها النفسية بجو من الفرح والمرح والبهجة بأسلوب قصصي أخاذ.
أما الشعر العذري فتحدث عن الشاعر المحب اليائس الحزين الذي ينطوي على خيال تعويضي يقوم على وصف العشق المحروم وتحليل المشاعر الرقيقة الحالمة.
يقول الدكتور طه حسين: "كان جميل وأمثال جميل قوماً غزلين بطبيعتهم، غزلين لأنهم يحبون النساء أو يحبون امرأة بعينها من النساء، يحبونها ويكلفون بها، فيملك عليهم هذا الحب نفوسهم وحياتهم حتى لا يعيشون إلا به وله وحتى لا يصدرون إلا عنه ولا يردون إلا عليه.
وكان عمر بن أبي ربيعة ومن سار سيرته من شعراء بني أمية ينظرون إلى المرأة من حيث هي المثل الأعلى للجمال واللذة والفرق بين هاتين الوجهتين عظيم، كان عمر رجلاً يحب الحياة ويحب المرأة لأنها زينة الحياة أو لأنها اللذة في الحياة"(1).
ويتابع الدكتور طه حسين رأيه في الغزل الإسلامي قائلاً: "لم يكن غزل الإسلاميين وسيلة وإنما كان غاية، لم يكن بريئاً من المادة. إن الغزل الإسلامي العذري أضاف إلى المادة شيئاً آخر، جعله قوام الشعر، نريد به الحب نفسه وما يترك في القلب من أثر، وما يبعث في النفس من عاطفة. وقد وصف العذريون محبوباتهم ولكن هذا الوصف لم يكن الغرض منه الوصف وإنما كان وسيلة لوصف النفس وما تلقى بالحب من شقاء أو سعادة، ومن بؤس أو نعيم.
(1) حديث الأربعاء 110