تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأتابع في هذا الفصل الكشف عن طبيعة هذا الحب وعن صورة المرأة والشاعر في كلتا البيئتين. وسأكتفي بنماذج من شعر الحب القصصي والعذري، وأترك القول في الغزل التقليدي في البيئات الأخرى لارتباطه بالشكل الفني للقصيدة أكثر من ارتباطه بالتجربة الوجدانية للشاعر، ولأنني تحدثت عنه في موضوعات الشعر الأخرى (المديح والهجاء والنقائض).

كثر الحديث عن التجديد الذي شهده الشعر العربي في المدن الحجازية وفي بادية الحجاز ونجد، وهو تجديد متشعب لم يصب جانباً واحداً من القصيدة بل أصاب معظم جوانبها فقد تغيّرت لغة الشعر ألفاظاً وتراكيب، وجنحت إلى اليسر والوضوح والقرب، كما تغيّرت موسيقاه بعض التغيّر فكثر قوله في الأوزان المجزوءة التي تصلح للغناء، وقلّ الاهتمام بالصورة الشعرية المصنوعة أو الموروثة، وتخففت القصيدة من موضوعاتها المتعددة، وأصبحت ذات موضوع واحد أو موضوعين متآخيين ولم يكن هذا الموضع غير "الحب".

وقد أوشك عدد كبير من شعراء هاتين البيئتين أن يقفوا دواوينهم على هذا الموضوع وحده على نحو ما نعرف من شعر عمر بن أبي ربيعة والمجنون وقيس لبنى وآخرين سواهم وهكذا كثرت القصائد والمقطعات التي تتحدث عن المرأة وحدها أو عنها وعمن يحبّها ويدور في فلكها، فاختلفت مكانتها في هذا الشعر عن مكانتها في القصيدة الجاهلية اختلافاً كبيراً، وبدت فيه شخصية أساسية فريدة على الرغم من اختلاف ملامحها في الشعر اللاهي عن ملامحها في الشعر العذري.

فهي في شعر المدن الحجازية امرأة جديدة جريئة محاورة متحضرة تقترح وتعبر عن نفسها بل تسرف في التعبير حتى تبدو ثرثارة ليس لها سر، وعلى الرغم من وجودها البارز في القصيدة، فإن شخصية الرجل- هي الشخصية المحورية، التي تدور في فلكها المرأة محاولة السيطرة عليها وإخضاعها.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٨٤