فهذا فراقُ الحقِ إلا أن تُزيرَني ... بلادَك فتلاءُ الذراعين صَيْدحُ
وقد كنتُ أبكي من فراقكِ حيَّةً ... وأنتِ لَعْمري اليومَ أنأَى وأَنزحُ
فيا عزَّ أنتِ البدرُ قد حالَ دونَهُ ... رجيعُ ترابٍ والصفيحُ المضرَّحُ
فهلا فداكِ الموتَ من أنتِ زيْنُه ... ومن هو أَسوا منك دَلاّ وأَقبح
على أمّ بكرٍ رحمةٌ وتحيةٌ ... لها منكَ والنائي يودُّ وينصحُ
فإن التي أحببتُ قد حال دونَها ... طوالُ الليالي والضريحُ المُصفَّحُ
أربَّ بعينيَّ البكا كلَّ ليلةٍ ... فقد كادَ مجرى الدّمع عينيَّ يَقْرحُ(1)
وتبقى لوحة رثاء المرأة باهتة شاحبة، فنحن نرى في هذه المراثي صورة الشاعر الذي يستبطن ذاته ويحلل عواطفه ويعبّر عنها أكثر مما نرى صورة المرأة.
5-في شعر الحب:
الصلة بين الرجل والمرأة قديمة قدم الإنسان ذاته والرباط العاطفي يقوي العلاقة بينهما ويؤلف إطار الرعاية والحماية لهما، وتختلف طبيعة هذه العلاقة باختلاف المجتمعات ومستوى تطورها، فلا تكاد تنفصل في أي مجتمع عن مستوى الحضارة الذي يحكم هذا المجتمع. وقد رصدت في الفصول السابقة العلاقة بين تطور المجتمع والظواهر الأدبية، فكشفت عن العلاقة بين بيئة المدن الحجازية وما شاع فيها من الحب اللاهي القصصي، وعن العلاقة بين بيئة البادية وما شاع فيها من الحب العذري، وكذا القول في سائر بيئات الشعر الأموي الأخرى.
(1) ديوان كثير 463 صفر الحشا: ضامرة البطن. نوامة يريد أنها مترفة. تخزلت: تثاقلت في مشيها. النزيف: السكران رؤد الشباب: لينة. النضو: الجمل الهزيل. الصيدح: الصياحة الرفيع صوتها. رجيع التراب: الذي أخرج من الحفرة ثم رد إليها. الصفيح: الحجر العريض الرقيق. المضرح: المشقوق المعد للضريح. أرب: لزم وأقام.