تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما مجنون ليلى فكان أكثر لوعة عندما سمع بموت ليلى فنشج بأبيات عدة يصوّر فيها حزنه وجزعه وذهوله فكأنما طار لبّه من هول ما سمع فإذا هو يكرّر هذا النداء "أيا ناعيي ليلى.. ويا ناعيي ليلى.. ويا ناعيي ليلى" الذي يقوّي المعنى في النفس، ويعمق الإحساس بالفجيعة على نحو ما هو معروف من وظائف التكرار اللغوي، وهو قرن هذا النداء المتكرر بهذه الأسئلة الحائرة التي لا تنتظر جواباً لامتلاء النفس بمشاعر الهلع "أما كان.. فمن بعد.." ثم يردف هذا التكرار في النداء والسؤال بتكرار الدعاء على هذين الناعيين فكأننا أمام مفجوع ينشج نشيجاً مراً فينعقد لسانه إلا عن ألفاظ قليلة يكررها، وينوع -دون أن يدري- صياغتها، ولكنها -على اختلاف الصياغة- تجمّع المشاعر في بؤرة واحدة فتزيد إحساسنا بها:

أيا ناعِيَيْ ليلى بجانب هَضْبةٍ ... أما كانَ ينعاها إليَّ سواكُما؟

ويا ناعيَيْ ليلى بجانب هضبةٍ ... فمنْ بعدِ ليلى لا أُمرَّتْ قواكُما؟

ويا ناعيي ليلى لقد هِجْتُما لنا ... تباريح نَوْحٍ في الديار كلاكُما

فلا عِشْتُما إلا حلَيفْي مصيبةٍ ... ولا متُما حتى يطولَ بلاكما

وأسلمْتِ الأيامُ فيها عجائباً ... بموتِكما إَني أُحبُّ رُدَاكُما

أظنُّكما لا تعلمان مصيبتي ... لقد حلَّ بينُ الوصلِ فيما أراكما(1)

وفي رثاء كثير حزن شفاف وحسرة عميقة واستسلام جريح، وفيه رغبة محزونة قانطة في افتدائها بغيرها، وعودة إلى أيام الحب الغابرة واجترار مرّ لذكراها، ولكنه سرعان ما يعود ويتذكر ما يفصلها عنه من تراب وصفيح، فيترحم عليها رحمة واسعة ويسفح دموعه الغزار، يقول:

سراحُ الدُّجى صفرُ الحشا منتهى المنى ... كشمسِ الضحى نوامةٌ حين تصْبحُ

إذا ما مَشت بين البيوت تخّزلَتْ ... ومالَتْ كما مالَ النزيفُ المُرَنَّحُ

تعلَّقتُ عزَاً وَهْيَ رُؤدٌ شبابُها ... علاقة حُبٍّ كادَ بالقلب يَرْجحُ

أقولُ ونضْوى واقفٌ عند رَمْسِها ... عليكِ سلامُ الله والعينُ تسفحُ

(1) ديوان المجنون 260

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٨٢