وكثيراً ما كان يتدحرج هذا البطلان والسفه والافتراء بعد مقدمة غزلية تفيض بأرق المشاعر وتكشف عن نفس مشرقة وصفاء روحي وعذوبة آسرة. يقول جرير في مقدمة هذه النقيّضة:
ألا حيّ الديارَ بسُعْد إنّي ... أحُبُّ لحبِّ فاطمةَ الديارا
أرادَ الظاعنون ليَحْزنوني ... فهاجوا صدعَ قلبي فاستطارا
لقد فاضَتْ دموعُكَ يومَ قوِّ ... لبَيْنٍ كان حاجته ادّكارا(1)
وكانت المعاني المكشوفة التي تتناول أعراض النساء مثار نقد ورفض عند عدد كبير من الأدباء والباحثين الذين ناقشوا قضايا الأدب الأموي، وبيّنوا أثر هذا الأسلوب في السلوك الفردي وفي أخلاق الجماعة في المجتمع الواحد. وقد سجّل ذلك الدكتور أحمد الشايب في قوله: "وإذا لاحظ بعض النقاد الأمويين خطر غزل عمر بن أبي ربيعة على نساء الحجاز إذ ذاك، فلا شك أن هذا الفحش العراقي كان مسبة شنيعة يستخذي منها النساء والرجال جميعاً. كان خطر الغزل العمري ناشئاً عن أنه يوقظ المرأة ويثير شهواتها ويغري الرجال باللهو والعبث، وكان هذا الفحش الهجائي ناشئاً عن تصوير العورات واختلاق الشناعات والإلحاح في وصفها وسرد تفاصيلها بلغة مكشوفة وأسلوب واقعي. وقد نال جعثن أخت الفرزدق وأم جرير من ذلك أذى كثير"(2)
ولم تكن نقائض جرير والأخطل أكثر تهذيباً أو بعداً عن السب والشتم والهجاء، فقد كانا يتنافسان في تناول النساء ونسبتهن إلى أنواع الفحش والرذيلة مستعرضين أكثر الألفاظ بذاءة وأكثرها بعداً عن الذوق والحياء.
يقول جرير واصفاً والدة الأخطل بأبشع الصفات الهجائية، فيعيرها الامتهان في الأعمال الحقيرة والدناءة في طلب الشهوات والمال وشرب الخمر ويين أثر الشراب على أخلاقها وحركاتها بسخرية لاذعة وتهكم مرير:
(1) المصدر السابق: 249بسعد: موضع بلاد بني تميم وقيل ماء لبني قشير وبني سعد. استطار: تصدع صدعاً في طول حاجة البين: كان أن تذكرت من تهوى.
(2) تاريخ النقائض 412