إذا ذُكِرتْ نَوارُ له استهلّتْ ... مدامُع مُسْبلِ العبراتِ جارِ(1)
وما أن يصل إلى الهجاء حتى يندفع كالنار الملتهبة التي تحرق كل ما تستطيع عليه يقول:
نساء بالمضايق ما يواري ... مخازيهُنّ مُنْتَقبُ الخمار
وما أبكارُهُنّ بثِّيَباتٍ ... ولَدْنَ من البعولِ ولا عذاري(2)
ولم يكن واحدهم يهتم بما يدعي على النساء من اختلاق وافتراء، بل اشتهر عن جرير أنه كان أكثرهم إفحاشاً وإقذاعاً(3). وفي النقائض نماذج كثيرة تثبت هذا القول(4). ولست أدري كيف يستقيم هذا الأمر مع ما يردّده الباحثون من الحديث عن تأثر جرير تأثراً عميقاً بالإسلام، وعن نفسه الرقيقة الصافية؟!
وكانت المنافسة بين الشاعرين تدفعهما إلى التزيد والمغالاة في تناول الأعراض وهتك القيم، ليفوز كل على صاحبه كلما أوغل في القذف والشتيمة.
يقول جرير في قصة جعثن وقصة زواج الفرزدق من النوار التي لم يطلب بثأر أبيها بسبب جبنه ولؤمه:
ألم تَخْشَوا إذا بلغ المخازي ... على سَوْآتِ جِعْثنَ أن تثارا
فإنّ مجرَّ جعثن كان ليلاً ... وأعْينُ كانَ مقتَلُهُ نهارا
فَلَوا أيامَ جِعْثنَ كان قومي ... همُ قومُ الفرزدقِ ما استجارا
تزوجتم نوارَ ولم تُريدوا ... ليُدْرِكَ ثائرٌ بأبي نوارا(5)
(1) المصدر السابق: 231 نكبن: عدلن عنها وتركنها ناحية. العقار: أرض لباهلة. استهلت: قطرت قطراً له صوت من شدة وقعه.
(2) المصدر السابق: 232 أي إن المرأة يواريها خمارها وهؤلاء لا يواريهن شيء لفجورهن. وهن لم يلدن من أزواجهن.
(3) التطور والتجديد 210
(4) النقائض 592- 691- تهتك جرير وفحشه في تناول جعثن وبنات مجاشع.
(5) النقائض 251 تثارا: تذكر ويتحدث بها. أعين: أبو النوار وهو ابن ضبيعة بن ناجبة أي كان مقتله واضحاً وتزوجها ولم يطلب بثأر أبيها.