تلك هي صورة المرأة في مقدمات قصائد المدح، أما صورتها في تضاعيف المدح ذاته فكانت صورة لا تحتل هذه المساحة الكبيرة التي رأيناها في المقدمات. وكان الشاعر كثيّر أول من مزج بين المدح والغزل في العصر الأموي متأثراً بالحطيئة الذي كان "يلون تلوينا بديعاً في تصوير البطولة فيمزج المدح بالغزل مزجاً طريفاً فتاناً دون أن يعبث بأسلوب الصناعة الفنية الموروث أو يحور فيه، ثم جاء كثيّر وفعل ذلك في مدح عبد الملك بن مروان"(1) على نحو ما نرى في قوله:
إذا ما أراد الغزو لم تَثْنِ عزمَهُ ... حصَانٌ عليها نظْمُ دُرٍّ يزينُها
نهته فلّما لم تَرَ النهْيَ عاقَه ... بكتْ فبكى مما شجاها قطينها
ولم يَثْنِه عند الصبابةِ نَهْيُها ... غداةَ استهلَت بالدموع شؤونها(2)
وتبدو المرأة في بعض مدائح جرير شريكة للشاعر في طلب النوال صراحة، أو تبدو هي وأولادها وسيلة للاستعطاف والتكسب، فهو يوطئ لمدحه بتصويرها جائعة لا تجد ما يسدّ الرمق، وتصوير أطفالها جياعاً لا تجد ما تسدّ به أفواههم، فتحتال عليهم، وتعلّلهم بأنفاس من الماء البارد كلما تضوّروا جوعاً. وتكاد هذه الصورة تجعل جريراً شبيهاً بمهرّج الملك الذي يريد أن يضحكه أكثر مما يريد أن يثير عطفه وإشفاقه على نحو ما نرى في مدحه لعبد الملك بن مروان:
تعزّت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي لقاح
تعللّ وهي ساغبة بنيها ... بأنفاس من الشبم القراح
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
(1) قصيدة المدح 255 وكان الحطيئة قد قال "إذا هم بالأعداء لم يثن همه /كعاب عليها لؤلؤ وشنوف".
(2) ديوان كثيّر 241 الحصان: المرأة العفيفة والقصة المتصلة بهذا البيت والذي يليه مشهورة. فقد خرجت عاتكة مع حشمها في وداع عبد الملك عندما خرج لغزو مصعب، فلما ودعته بكت وبكى حشمها معها فقال عبد الملك؟ قاتل الله كثيراً كأنه كان يرى يومنا هذا حيث يقول لأبيات..