تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحقاً تبدو المرأة في هذه المقدمة مزورة عن الشاعر زاهدة فيه منصرفة عنه، ولكنه ألا يخطر ببالنا أن نسأل: من هي هذه التي يتحدث عنها؟ أهي حبيبته القديمة أم جويرية صغيرة باعد الزمن بينه وبينها؟ إن الفرزدق يريد أن يلوي عنق الزمان ويردّه إلى الماضي، لكن الزمان شامس عسير الانقياد.

إن هذه المقدمات جميعاً -كما نرى- تفضى إلى المقدمة الغزلية وتتصل بها اتصالاً وثيقاً، فما إن يتحدث الشعراء عن الأطلال حتى يقودهم الحديث إلى وصف محبوباتهم والتغزل بجمالهن، وكذلك حالهم في حديث الظعائن وحديث الطيف وحديث الشيب وتذكر الشباب، "وقد افتتحوا عدداً كبيراً من قصائدهم بالغزل، الذي تغنوا فيه بقصص حبهم وحكايات غرامهم، وكيف أنهم كانوا غارقين في نشوة اللقاء يظنون أن الأيام لن تفرق بينهم وبين محبوباتهم، وأنه لن يكدر علاقاتهم بهن مكدر من مطل أو عذل ويخلصون من الحديث عن القرب والبعد، والوصل والمطل، وما يخلفه ذلك في نفوسهم من سعادة غامرة، وألم ممض ومن شوق وقلق، إلى وصف محاسن صواحبهم وصفاً يبينون فيه مفاتنهم الجسدية، وقد يلمون ببعض صفاتهن المعنوية"(1)

ونهض جرير بهذه المقدمة نهضة واسعة وأمدها بتيار دافق من المشاعر الرقيقة والأحاسيس الشفافة، وكل من يقرأ غزله يحس أنه يفارق صورة الغزل القديم مفارقة واضحة فهو يتناول بعض العناصر القديمة ويسرف في التحوير فيها، وهو "لا يحتفل احتفال القدماء بوصف الجسد ولا يدقق تدقيقهم به، ولكنه يولي الأوصاف النفسية من عنايته فوق ما كانوا يولونها، فيتحدث عن حلم حبيبته ورزانتها وعفة لسانها وبعدها عن النميمة(2)، ففي مدحه لعبد الملك بن مروان نرى هذه المزاوجة بين وصف الجمال الجسدي والجمال المعنوي. يقول:

أواصلٌ أنت أمّ العمرِ أم تَدَعُ ... أم تقطعُ الحبلَ منهم مثلَ ما قطعوا

(1) مقدمة القصيدة العربية 59

(2) قصيدة المدح 520

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٦٩