فباتتْ لي وأحسبُها حلالاً ... وبتُّ لها كَمُحتْضنِ الخُصورِ
فبتُّ معانقاً أرنُوا وأُرْنى ... ومرّات على كَفَلٍ وثيرِ
وبتنا في الرّداءِ معاً كأنا ... لنا مُلكُ الخورنقِ والسديرِ(1)
لقد سُرَّ الفرزدق بزيارة خيال صاحبته وشعر بلذة المشاهدة واللقاء الحميم حتى ظن نفسه يملك الخورنق والسدير.
واعتمد الشعراء أيضاً على مقدمة الشيب والشباب في التوطئة لمدائحهم، "وينفرد الفرزدق بافتتاح بعض مدائحه بمقدمة الشيب والشباب لكنه لا يفصل فيها، فهو يصور موقف النساء منه في انصرافهن عنه وإنكارهن لما صار إليه تصويراً رقيقاً قصيراً، ثم ينعطف إلى الماضي يبكي شبابه الغابر ويلم ببعض مباهجه إلماماً خاطفاً"(2)، يقول في مدحه للحجاج
رأيتُ نوارَ قد جعلتْ تَجنَىَّ ... وتُكْثرُ ليْ الملامةَ والعتابا
فلا أسطيعُ ردَّ الشّيبِ عني ... ولا أرجو مع الكبرِ الشبابا
فليتَ الشيبَ يوم غدا علينا ... إلى يومِ القيامةِ كانَ غابا
فلم أرَ كالشباب متاع دُنيا ... ولم أرَ مثل كسوتهِ ثيابا(3)
إنه يصف وضعه الذي آل إليه بعدما كبر، ويكشف عن معاملة زوجه له ونفورها منه، ويظهر إذعانه وانكساره لما توجهه إليه من إهانات لأنه لم يعد يملك أن يرد عن نفسه ما هو فيه ثم يتأسف على شبابه الغابر بحسرة وأسى.
وكرر الفرزدق حسراته هذه في مقدمة مدحته لبشر بن مروان فبدا هزيلاً أمام سخرية النساء منه وانصرافهن عنه، لائذاً بذكريات الشباب يستمد منها بعض العون النفسي: قال:
يا عجباً للعذارى يومَ معقلةٍ ... عيَّرْنَني تحت ظلِّ السّدرةِ الكِبَرا
فظلَّ دمعي ممّا بانَ لي سَرِباً ... على الشباب إذا كفكفْتُه انحدرا
فإن تكن لمّتي أمسَت قد انطلقت ... فقد أصيدُ بها الغزلانَ والبقرا
هل يشُتَمَنَّ كبيرُ السن أنْ ذرفتْ ... عيناه أم هو معذور إذا اعتذرا(4)
(1) ديوان الفرزدق: 349.
(2) قصيدة المدح 545
(3) ديوان الفرزدق: 89
(4) المصدر السابق: 286