تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان ذو الرمة من أكثر الشعراء الذين وصفوا الأطلال وتوقفوا يتأملونها ويبثونها مشاعر دافقة من الحب والشوق والهيام، فتحولت لوحة الأطلال في صدور مدائحه إلى "أطلال شاعر عاشق فكانت مسرحاً ترتسم عليه صورة الحبيبة وذكرياتها ورحيلها وطيفها، ولعل هذا هو سرّ بكاء الشاعر في الأطلال كل هذا البكاء الجمّ المتصل، ولعل ذلك هو السبب في دفع ذي الرمة إلى الانتقال من الأطلال إلى صاحبتها وحدها أي الغزل، أو إلى صاحبتها في طائفة من قومها أي الظعائن، فليس في مدائحه كلها مقدمة طللية واحدة لم تنته إلى غزل واسع أو إلى حديث الظعن أو حديث الطيف، أو إليها جميعاً، وكلها تفضي إلى موضوع واحد هو الحب"(1).

ومما قال في مدح الملازم بن حريث الحنفي:

خليليّ عُوجا الناعجات فسلِّما ... على طللٍ بينَ النقا والأخارمِ

كأنْ لم يكن إلاّ حديثاً وقد أتى ... له ما أتى للمُزْمِنِ المتقادِمِ

سلامَ الذي شقّتْ عصا البين بينَهُ ... وبين الهوى من إلِفهِ غيرَ صارِمِ

وهل يرجِعُ التسليمَ رَبْعٌ كأنّهُ ... بسائفةٍ قَفْرٍ ظهورُ الأراقم

ديارٌ محْتها بعدنا كلُّ ذَبْلة ... دروج وأحوى يْهضب الماءَ ساجم

أناخَتْ بها الأشراطُ واستوفضتْ بها ... حصى الرملِ راداتُ الرياحِ الهواجمِ

ثلاثُ مُرباتٌ إذا هِجْن هيجة ... قذفنَ الحصى قذف الأكفّ الرواجم

ونكباءُ مِهيافٌ كأنّ حنينَها ... تحدُّثُ ثكلى تركبُ البوّرائمِ

حَدتْها زبانى الصيفِ حتى كأنّما ... تمُدُّ بأعناقِ الجمالِ الهوارِم

لعرفانها والعهدُ ناءٍ وقد بدا ... لذي نُهْيَةٍ أن لا إلى أُمِّ سالمِ

جرى الماءُ من عينيك حتى كأنّه ... فرائدُ خانتْها سلوكُ النواظمِ

عشيةَ لو تَلْقى الوشاةَ لبينّتْ ... عيونُ الهوى ذاتَ الصدورِ الكواتمِ

(1) قصيدة المدح 340

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٦٣