"أما جرير فيتفوق في هذا الصدد على صاحبيه: الفرزدق والأخطل تفوقاً ظاهراً، فهو دائماً ممسك بقيثارته يستخرج منها تلك الأنغام. ويحس الإنسان إحساساً قوياً أنه كان ينهل من منهل صاف لا يجف، ينساب معه وصفه للأطلال وحديثه عن سابق عهدها انسياباً لا تكدره شائبة. وهو -بحق- لا يبارى في هذا الميدان، بشهادة القدماء"(1) ففي مدحه لعبد العزيز بن مروان يقول:
أربّتْ بعينيكَ الدموعُ السوافحُ ... فلا العهدُ منسيُّ ولا الربعُ بارحُ
محا طللاً بين المُنيفَةِ فالنَّقا ... صبا راحةٌ أو ذو حَبِيَّيْن رائح
بها كل ذيّال الأصيل كأنه ... بدارةِ رَهْبَى ذو سوارين رامح(2)
إن منظر المكان يستدر دموعه الغزار بكآبته وزوال معالمه بسبب الرياح والأمطار التي جعلته خالياً إلا من الثيران الوحشية التي تتردد فيه عند الغروب بأذنابها الطويلة وقوائمها المرصعة بدوائر سود.
ولكن أطلال النابغة الشيباني "تتميز بفتنة ساحرة، لقد خلق ككل فنان أصيل من الأطلال والخرائب الدارسة خرائب فنية عامرة بالجمال والفتنة"(3) وتلوح في أرجاء هذه الأطلال صورة صاحبته وذكرياتها فكأنها الغائبة الحاضرة على نحو ما نرى في قصيدته التي يمدح بها مسلمة بن عبد الملك نجد قوله:
بانَتْ سُليمى وأقوى بَعدَها تُبَلُ ... فالفأوُ مِنْ رُحْبِهِ البرّيتُ فالرِّجَلُ
وقفتُ في دارِها أُصلاً أُسائلُها ... فلم تُجِبْ دارُها واستعجمَ الطَّلَلُ
لمّا تذكّرتُ منها -وهيَ نازحةٌ- ... مواعداً قد طَبَتْها دوني العِلَلُ
ظلّتْ عساكرُ من حزنٍ تُراوحني ... وسَكْرَةٌ بَطَنَتْ فالقلبُ مُخْتَبلُ
(1) مقدمة القصيدة العربية 50
(2) ديوان جرير 265 الإرباب: الإقامة واللزوم للشيء. الراحة: الشديدة الهبوب. الحبى: ما اتصل من السحاب بعضه ببعض. سُوار وسِوار للذي يكون في اليد والرجل أسوار لا غير شبه الثور بالأسوار من الأعاجم لاختياله له في مشيه الرجل الأسوار: الرامي.
(3) قصيدة المدح 343