تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان كل شاعر مدح يصدر في مقدمته عن مشاعر خاصة كونتها مجموعة من المؤثرات البيئية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ففي الشعر التقليدي الذي امتهن أصحابه المدح كالفرزدق وجرير والأخطل، كانت صورة المرأة صورة ذهنية على الأغلب، لا يصدر الشاعر فيها عن واقع حقيقي وإنما يتمثل وجود المرأة في خياله، فتفقد المرأة في شعر الأخطل نضارتها وحيويتها، وتتحول إلى تمثال يعود إلى العصر الجاهلي، بينما نجد بعض اللمعان الذي أضيف على هذا التمثال الأثري في شعر الفرزدق بتأثير بعض المواد الحضارية، وكذلك جرير، أما عند الأحوص فقد كانت صورة المرأة تنبض بالحياة المعاصرة له وكذلك عبيد الله بن قيس الرقيات.

وكانت مقدمة الأطلال أكثر المقدمات دوراناً في قصائد المدح، "التي استهل بها الفحول: جرير والفرزدق والأخطل قصائدهم، مبدئين ومعيدين في معانيها وصورها ومرددين تقاليدها وعناصرها، ومكررين أشكالها المختلفة في صدور قصائدهم على تنوعها. فهم حيناً يصفون الديار ويستقصون ما بقي من آثارها، وما تعاقب عليها وغيّرها، وما نزل بها بعد هجر أهلها لها، مرجعين ذكرياتهم مع صواحبهم على أرضها، وهذا هو الشكل الأول من أشكالها وهم حيناً آخر يلمون به ويضيفون إليه وصف محبوباتهم اللائي كانت لهم صلات ومودات معهن بها وهذا هو الشكل الثاني من أشكالها، وهم حيناً ثالثاً يستبدلون وصف المحبوبة بوصف ظعائنها، وهذا هو الشكل الثالث من أشكالها وبذلك وفروا لهذه المقدمة الكثرة المطلقة من مقوماتها، ورسخوا معظم تقاليدها وأصلوا أغلب أشكالها".

ففي مقدمة قصيدة الفرزدق التي يمدح بها عبد الله بن الأعلى وبني شيبان يتوقف في أطلال صاحبته، ويطلب من رفيقيه ألا يلوماه، فيسلم على الديار الخالية، ويسألها عن أصحابها، ثم يذكر ما أصابها من تغيير حال دون معرفته لها إلا بعد حين يقول:

أَلمّا على أَطلالِ سُعدى نُسلِّمِ ... دوارسَ لمّا استنطِقَتْ لم تَكَلَّمِ

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٥٩