فالمرأة الخارجية -كما نرى- تتمثل أفكار الدعوة الخارجية ومبادئها، وتضم إليها الأنصار، على نحو ما فعلت "جمرة" بعمران بن حطان. ويقال إنها كانت ذات جمال، وكان قبيحاً دميماً فقالت له يوماً: أنا وإياك في الجنة، قال: ومن أين علمت ذلك؟
قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت وابتليت بمثلك فصبرت والشاكر والصابر في الجنة.
وكانت جمرة هذه على الرغم من زهده بالحياة وازدرائه لها -السبب الذي حبّب إليه الحياة وجعله يتعلق بها، ومما قال يصف جمالها وأخلاقها:
يا جَمْرُ إنّي على ما كان من خُلُقي ... مئْنٍ بخلاّت صدق كلُّها فيكِ
اللهُ يعلمُ أنّى لم أَقلْ كَذِباً ... فيما علمتُ وأنّي لا أُزكّيْكِ(1)
لقد أمدّ شعراء الخوارج المرأة بنسغ جديد من الحياة التي تعلموها وغذوها أيضاً بأمجادهم وأفكارهم فكان الحب مزيجاً فريداً من حب المبدأ وحب المرأة، فهم يمزجون بين المرأة كواحة جميلة في الحياة وبين العمل من أجل العقيدة. بيد أن هذه النظرة لم تحل بين شعراء الخوارج وما رسخ في الذاكرة الشعرية من صورة للمرأة التي تحاول أن تثني زوجها عن الخروج وتلومه على كرمه، وما يكون من ردّ وعقده العزم والنيّة على ما همّ به، ولا ينسى شعراء الخوارج أن يوشوا هذه المعاني بالقيم الإسلامية فتزداد تألقاً وبهاءً على نحو ما نرى في خطاب عمران بن حطان لزوجه "جمرة".
إنْ كنتِ كارهةً للموتِ فارتحلي ... ثم اطلبي أهلَ أرضٍ لا يموتونا
فلستِ واجدةً أرضاً بها بشرٌ ... إلاّ يروحونَ أفواجاً ويَغْدونا
يا جمرُ لو سلمتْ نفسٌ مطهَّرةٌ ... منْ حادثٍ لم يزل يا جمرَ يُعيينا
إذن لدامت بمرادسٍٍ سلامته ... وما نعاه بذاتٍ الغصنِ ناعونا(2)
(1) شعر الخوارج 17
(2) المصدر السابق 16