وكان هذا الأسلوب الشعري قد نضج بين يدي عبيد الله بن قيس بعد أن راضه شعراء آخرون من قريش أيضاً كأبي دهبل الجمحي الذي تغزل بعاتكة بنت معاوية، والعرجي الذي تغزل بجيداء أم محمد بن هشام المخزومي، وكان قد سبقهم جميعاً إليه عبد الرحمن بن حسان عندما شبب برملة بنت معاوية، ولكن الفرق بين هؤلاء السابقين جميعاً وبين عبيد الله أن عبيد الله كان أكثرهم وعياً بغرضه، وأقدرهم على تصريف القول، فقد ظل حريصاً على أن ينال استحسان المرأة التي استخدمها هدفاً في شعره، فكافأته على ذلك عندما حصلت له على العفو والمغفرة، وقادت حياته في منعطف جديد يماشي فيه ركاب الأمويين.
أخلص من ذلك إلى القول: إن للمرأة في شعر عبيد الله بن قيس الرقيات مذاقاً خاصاً شديد التميز، فقد بدت فيه واعية لما يدور حولها من صراع، وبدت تحمل أسىً شفيفاً ورغبة في انهاء الاقتتال بين أبناء المجتمع العربي، كما أنها -في شعره- تنشط في المجتمع، فتقابل الرجال، وتقول الشعر على نحو ما نرى في حديثه عن "كثيرة" الكريمة النجار، الواثقة من نفسها إلى حد الصلابة. فقد تغزل بها غزلاً يفيض بالحنين "واتخذها رمزاً لأحلامه التي طواها الدهر والأيام وملأها بالحنين إلى وحدة الجماعة القرشية"(1)
عادَ له من كثيرةَ الطربُ ... فعَيْنُهُ بالدَموع تنسكبُ
كُوفيّةٌ نازحٌ محلَّتُها ... لا أَمَمٌ دارُها ولا سَقَبُ
واللّه ما إنْ صَبَتْ إلىَّ ولا ... يعْلَمُ بَيْني وبَيْنَها سبَبُ
إلاّ الذي أوْرَثَتْ كثيرةُ في الـ ... قلبِ ولِلْحُبِّ سَوْرَةٌ عَجَبُ(2)
(1) قصيدة المدح: 656
(2) ديوان: عبيد الله: السقب: القريب الملاصق. نازح: بعيدة. الأمم: الوسط بين القريب والبعيد. سورة: حدة وسطوة.