ولا تخفي الأبيات ما فيها من بريق الغمز واللمز الموجه إلى البيت أو السلطة التي تحتضن هذه المرأة فتقصّر عن صونها وحمايتها حتى باتت عرضة للسان هذا الشاعر وأحلامه، فكانت في خياله مبتذلة غير متصونة، لكنه زمام أمره ظلّ في يده عندما أكد في نهاية القصيدة أن اللقاء كان في حلمه وهو نائم فنال بذلك استحسان هذه المرأة وأغضب حاشيتها، وكان له ما أراد.
وهو يتغزل بسيدة أخرى هي، عاتكة بنت يزيد وزوجة عبد الملك بن مروان، ومما يقول لها:
أعاتِكَ بنتَ العبشّمية عاتكا ... أثيبي امرأً أمسى بحّبكِ هالكا
بَدَتْ ليَ في أترابِها فقتلْنَني ... كذلِكَ يَقْتُلْنَ الرجالَ كذلكا
نظرنَ إلينا بالوجوهِ كأنّما ... جلَوْنَ لنا فوقَ البِغال السّبائكا
إذا غَفَلَتْ عنّا العيونُ التي ترى ... سلَكْنَ بنا حيثُ اشتهينَ المسالِكا
وقالت لو أنا نستطيعُ لزارَكُمْ ... طبيبانِ منّا عالمانِ بدائكا
ولكنّ قومي أحدثوا بعدَ عهدِنا ... وعهدكَ أضغاناً كِلفْنَ بشانِكا(1)
إنه يحمّل هذه المرأة وعياً سياسياً عاماً، فيجعل قومها -باعترافها- مسؤولين عن الأحقاد المشبوبة في الصدور، وعن تحوّل الناس من المودة والتراحم إلى البغضاء، فكأنها رمز عام مشحون بالأسى الذي استقر في أعماق عبيد الله تجاه قريش وما آلت إليه. أو هو "غزل يختنق بالنشيج المرتخالطه مرارة الدمع وتتغلغل فيه مواجع الخيبة فتكسر حدّته إلا قليلاً وهو عابق بالحنين إلى وحدة الجماعة القرشية"(2).
(1) ديوانه 128 السبائك: قطع الذهب والفضة واحدتها سبيكة. المسالكا: هنا أي ما اشتهين من الحديث الضغن: الميل.
(2) قصيدة المدح 625.