تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وثمة ملاحظة أخرى على حديث هؤلاء الشعراء، وهي ملاحظة تستحق الاهتمام في نظري، فقد أسرف شعراء الحضر بالحديث عن عطور النساء، واكتفوا بما يضوع من شذاها الزكي، أما الشعراء الآخرون فقد قرنوا الحديث عن هذه العطور، وعن روائح حبيباتهم الزكية بالحديث عن الرياض وحنوتها وأقحوانها وما يصيبها من مطر أو ندى، فكانت روائح تلك الرياض غبّ المطر أو الندى أجمل وأطيب وأكثر دواماً.

وعلى الرغم مما تقدّم فإن الشك ما يزال يخامرني في أمر هؤلاء النساء، فأنا أظن أنّ امرأة تملك كل هذا الملك، وتصدر عن كل هذا الذوق في زينتها وأناقتها وحركتها، إن هي إلا صورة مثالية أراد الشعراء تجسيدها وإضفاءها على الواقع الحياتي ليكون أجمل وأحلى.

فالمرأة التي التقيناها في شعر بعض شعراء البدو كانت ترفل بالحرير، وتطأ ثوبها الطويل وتضمخ بالعطر، وتثقل حركتها بسبب ما تحمل من مجوهرات نفيسة، ويتوافر لها من يقوم على خدمتها وتجميلها وتدليلها. وهي ذاتها التي نراها في شعر الهجاء حافية شقية بائسة تسابق الضوء للقيام بأعمالها، تجمع الدرنات وبعض النباتات التي تصلح للطعام، وتعتني بالماشية وتقوم بحلبها، وتفوح منها أخبث الروائح وأنتنها بسبب إنهاكها في العمل وتعرقها. فهل الواقع المرّ هو الذي جعل الشعراء يعادلونه بصور مخيلة تضفي على وجودهم بعض الراحة والهناء؟ أم أن حب أبناء القبائل ضاع في جوف الزمن، وطوته رمال الصحراء، ولم يبق لنا منه إلاّ حب الأثرياء؟ من يدري؟ ضراوة الواقع -في ظني- هي السبب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٤٢