طيّبة النشرِ والبُداهةِ ... والعلاتِ عند الرقاد والنسم(1)
ويعدد النابغة الشيباني بعض أنواع عطورها تعداداً لا يخلو من المباهاة والإحساس بالرضا:
وقد عَبِقَ العبيرُ بها ومِسْكٌ ... يخالطُهُ من الهنديِّ عُوْدُ(2)
ويزعم -في رضا عميق وإحساس بالتميّز -أن جلود هؤلاء النساء اللواتي يتحدث عنهن مصفرة ناعمة مُلس من كثرة استعمال الطيوب والعطور. يقول:
تكسو الجلودَ عبيراً لونُها شرِقٌ ... فكلُّ أَبشارِها مصفّرةٌ مُلُسُ(3)
هذا هو الحسن المصطنع كما تصوره شعراء هذا العصر وصوّروه، وهو حسن لا يكاد ينفكّ عن الجمال الطبيعي أو يفارقه، فهو صنوه وشقيقه. وهؤلاء هم شعراء هذا العصر في المدن حيث يتفيّأ الناس ظلال الحضارة والنعيم والترف، وفي البادية حيث ينهمر الضوء، وتكون القائظة، فتتقلص ظلال الحضارة، ويعز النعيم، وينأى الترف. ولكنهم جميعاً تشابهت مزاعمهم على الرغم من الفروق الاجتماعية الضخمة في الواقع الاجتماعي. فكلهم صوّروا حبيباتهم صوراً تضج بالفتنة، وتتوهج بضروب الزينة من ملابس وحلي وعطور وخضاب وغيرها فكأننا في معرض من معارض الأناقة، أو في مسابقة من مسابقات الجمال؟؟ ولست أريد بهذا القول أن أزعم أن هؤلاء الشعراء تساووا فيما صوّروه وعرضوه، فهذا زعم لا يصحّ ولا يستقيم، فقد استكثر عمر بن أبي ربيعة من ضروب الزينة وكميتها حتى فاق الشعراء جميعاً، ثم تبعه شعراء المدن الآخرون، وجاء بعدهم بقية الشعراء، ولكنني أريد بقولي السابق أن هؤلاء الشعراء تساووا في "فكرة الزينة أو "مفهومها" على الرغم من اختلافهم في كمياتها- بعبارة أدق وأوجز: لقد اتفقوا في مفهوم "الكيف"، واختلفوا في أمر "الكم".
(1) ديوان النابغة الجعدي: 150- النشر: النفس والرائحة. البداهة: أول كل شيء. العلات: على كل حال على غير صنعة
(2) ديوان النابغة الشيباني 95
(3) المصدر السابق 79