تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يباشرن فأرَ المسكِ في كلّ مهجعٍ ... ويُشْرِقُ جاديٌّ بهنَّ مفيد(1)

وأكثر ما بدا احتفال كثيّر بعطور عزة في هذه الصورة المطولة التي يعقد فيها مقارنة بين هذه الحديقة المزهرة الندية، الغنية بالأعشاب والنباتات المختلفة، وبين بخور عزة وعطورها. على نحو يذكّرنا تذكيراً قوياً بالأعشى في حديثه عن طيب رائحة "هريرة" في قصيدته المعلّقة، يقول:

فما روضةٌ بالحَزْنِ طيبةُ الثرى ... يمجُّ الندى جثجاثُها وعرارُها

بمنخرق من بطن واد كأنما ... تلاقت به عطّارةٌ وتجَارُها

أفيد عليها المسكُ حتى كأنها ... لطيمةُ داري تفتق فارُها

بأطيبَ من أردانِ عَزّة مَوْهناً ... وقد أُوقدِتْ بالمندلِ الرطبِ نارُها(2)

أما جميل فلم يتسع في صورته اتساع "كثيّر" بل اكتفى بصورة عذبة متقاربة الأطراف، فزعم أن "أم حسين" في طيبها روضة ذات حنوة وخزامى، هطل عليها مطر الربيع، ففاحت روائحها المثيرة:

يا خليليّ إن أُمّ حسين ... حين يدنو الضجيج من عِلَلِهْ

روضةٌ ذات حنوةٍ وخزامى ... جادَ فيها الربيعُ من سَبَلِهْ(3)

ويؤكد اختلاط روائحها بروائح الطبيعة الساحرة، وأكثر ما ينتشر طيبها ويحس به عندما تستيقظ من نومها، فيشعر كأنها وعاء العطر ذاته:

(1) المصدر السابق: 195- الجادي الزعفران، مفيد: اسم مفعول بمعنى فاد أي داف، فادت المرأة الطيب دلكته ليذوب بالماء.

(2) ديوان كثير: 429 الحزن: الموضع الغليظ، الجثجاث والعرار: نوعان من النباتات طيبا الرائحة، فالجثجاث ريحانة برية من أحرار البقل، والعرار هو البهار البري. منخرق: متسع، يريد موضعاً تنتشر فيه هذه الرائحة. أفيد: دق ونشر، اللطيمة: المسك، الداري: منسوب إلى دارين موضع يرد إليه المسك على ساحل الخليج. تفتق: ذاع وانتشر. فأرة المسك: نافجته بأطيب: متعلق بقوله فما روضة موهناً: بعد هدء الليل. المندل: العود.

(3) ديوان جمييل 69 حنوة: نبات طيب الرائحة والخزامى أيضاً. السبل: المطر.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٣٨