تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلّما صفقت وثبْنَ إليها ... كقيامِ الشرطيّ عندَ الإمامِ(1)

هذه هي صورة المرأة -الجسد- كما صورها شعراء العصر الأموي، بل هذا هو الجمال المثالي الذي كان يحلم به هؤلاء الشعراء، ويخلعون ملامحه على حبيباتهم، فيكشفون بذلك عن ذوق العصر، وإحساسه الجمالي، وصبوته إلى الجسد المكتمل أنوثة وفتنة، إنهم لا يزيفون الواقع بل ينقُّونه من الشوائب، ويرتقون به ليكون جديراً بالشعر. ومن يدري فلعل هؤلاء الشعراء- أو كثيرين منهم- كانوا يرون في حبيباتهم صورة أمينة أو كالأمينة لهذا الحلم الجمالي، فقد روى أن عبد الملك بن مروان سأل عزّة صاحبة "كثيّر" مرّة:

ماذا رأى فيك كثيّر حتى قال فيك ما قال؟ فردّت عليه: وماذا رأى فيك الناس يا أمير المؤمنين حتى جعلوك خليفة؟ "حسنٌ في كل عين من تود"!! ولعلّ هذه الصورة التي حاولت جمع أجزائها من هنا وهناك تدلّ دلالة واضحة على موقف الرجل عامة والشاعر خاصة من المرأة، فهو دائماً يعلي من قيمة الجمال الحسي، ويحتفل به، ويقيم له الشعائر، وقد تبيّن لي أن الشعراء العذريين أنفسهم لم يكونوا بمنأى عن هذا الموقف على خلاف ما توحى به أخبارهم، وكثير من الدراسات التي دارت حولهم. فقد احتفلوا -كما تبيّن نصوصهم السابقة- بالمحاسن الجسدية، وإن لم يغالوا مغالاة غيرهم. ولكن ذلك كلّه لا يعني أن الشعراء لم ينظروا إلى المرأة إلا من حيث هي جسد، فما أكثر ما تحدثوا عن المشاعر والأحاسيس والعواطف على نحو ما مرّ بنا في غير هذا الموطن، والذي أريد أن أخلص إليه هو أن هؤلاء الشعراء -على تفاوت واضح بينهم- قد نظروا إلى المرأة نظرة لا تخلو من المنطق والاتزان والإعتدال، فخصّوا حسنها الماديّ بعنايتهم، وخصّوا محاسنها النفسية ببعض هذه العناية، وكشفوا بذلك عن توازنهم النفسي.

(1) المصدر السابق: 122. الإمام: الخليفة.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٠٦