تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتوقف الشعراء طويلاً يصورون كسل المرأة وفتورها ونعمتها، مما يدل على ما أصابه المجتمع من التحضر والترف، فقد استراحت النفوس، وتطلعت إلى المتعة والجمال، ولم تكن المرأة تجد ما يضطّرها إلى العمل وكسب الرزق، بل لم تكن مضطرة للقيام والمشي بمفردها على رأي الشعراء، بل كانت منعمة مدللة، تقوم الجواري على خدمتها وتدبير أمورها، وتفرغت هي للعناية بنفسها ومراقبة جمالها ومتابعة أخبار قلبها.

لقد أعجب الشعراء بالمرأة الكسول وفتورها وغنجها، فأسرفوا في الحديث عنها وفي تصويرها، وهم بذلك يقصرون أوصافهم على المرأة العربية تحديداً، لأنها وحدها التي استمتعت بهذه الصفات، وكانت سيدة أرستقراطية مخدومة مرفهة.

وعلى أية حال فإن نموذج المرأة الأرستقراطية هو النموذج الأنثوي الذي تغنى به الشعراء عامة. فيتحدث عمر بن أبي ربيعة عن مجموعة من النساء ويزعم أنهن من أسر كريمة عريقة، لم يعشن حياة الشظف والشقاء، بل رزقهن الله بسطة في الرزق والنعيم. يقول:

عقائل لم يعشنَ بعيشِ بؤسٍ ... ولكنْ بالغضارةِ والنعيمِ(1)

وهذا الثراء الذي توافر لها جعلها كسولاً متثاقلة فاترة محببة لديه:

من البيضِ مكسالُ الضحى بختريةٌ ... ثقالٌ متى تنهضْ إلى الشيء تفتُرِ(2)

ويردّد هذا المعنى في مواقف أخرى، فكأنه عالق بشباك امرئ القيس الذي أعجب بالمرأة الكسول، التي تنام الضحى "نؤوم الضحى"، وتفتر، فلا تقوم إلى أي عمل. يقول:

ربعةٌ أو فويقَ ذاك قليلاً ... ونؤومُ الضحى وحَقّ كسول(3)

ويشير عمر إلى من يحيط بها من جوقات الخدم، والنساء المعنيات بشأنها، فلا يدعنها تبذل أي جهد، بل يسارعن للتخفيف عنها، والقيام بكل ما تريد:

لم تبلغِ البابَ حتى قال نسوتُها ... من شدة البُهرِ هذا الجهد فاتئدا

(1) ديوان عمر: 224

(2) المصدر السابق: 104

(3) المصدر السابق: 337.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ٢٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ٢٠٢