وظلت تهادى ثم تمشي تأوُّداً ... وتشكو مراراً من قوائِمها فتْرا(1)
واستطاع كثّير الخروج من دائرة الحيوان إلى الماء، وكان لمشهد المشي في ذهنه بعد أخر، عندما شبه مشيتها المتثاقلة بتدافع السيل إذا تلقاه الوادي عند منعطفه:
وتمشي الهوينا إذا أقبلت ... كما بهر الجزع سيلاً ثقيلاً(2)
ومشيتها في صورة العجاج أيضاً كأنها تدافع المياه في الجدول الرقراق المنساب في استرخاء وهدوء. يقول:
في صَلبٍ لَدْنٍ ومشيٍ هوجلِ ... تدافعَ الجدولِ إثرَ الجدولِ(3)
وألم بالصورة نفسها عمر بن أبي ربيعة وقال:
قامت تهادى وأترابٌ لها معها ... هوناً تدافعَ سيل الزُّلِ إذْ مارا(4)
وترتبط صورة مشية المرأة في خيال الشاعر ومشاعره بصورة الأقدام وهي تدوس الوحل، كما عند الكميت:
وإذا أردنَ زيارةً فكأنما ... ينقلن أرجلهُنَّ بالأَوحالِ(5)
وقريب من الماء والوحل تشبيه عمر لمشيتها بأغصان النباتات المتمايلة الطرية، لكنه سرعان ما يعود إلى حظيرة الحيوان الصحراوي فيقول:
تمشي الهوينا إذا مشت فُضُلاً ... وَهيَ كمثلِ العسلوجِ في الشّجرِ
بيضاً حِساناً خرائداً قُطُفاً ... يمشينَ هَوْناً كمشيةِ البقرِ(6)
ويقع عروة بن أذينة على صورة طريفة فيها من الحسن والبهاء والحركة العذبة الليّنة شيء كثير يقول:
فقمن بطيئاً مشيُهنَّ تأوّداً ... على قصبِ قد ضاقَ عنهُ خلاخِلُهْ
كما هزّتِ المرَّانَ ريحٌ فَحَرَّكَتْ ... أعاليَ مِنْهُ وارجحنَّتْ أسافلُهْ(7)
ولأعشى همدان صورة حسيّة نفسية تلفت النظر. فيقول:
(1) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 126.
(2) ديوان كثيّر: 391. جزع الوادي: منعطفه.
(3) ديوان العجاج: 224. الهوجل مشي فيه استرخاء.
(4) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 120. أي تتدافع كما يتدافع السيل في حركته.
(5) شعر الكميت: 53.
(6) ديوان عمر بن أبي ربيعة 144 ويكرر في ص 157-292-392-451-464 العسلوج: مالان واخضر من قضبان الشجر.
(7) ديوان عروة بن أذينة: 356.