تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستغرق مشهد المشي خيال العرجي مرات متعددة، ويقلّب فكره وموروثه، فلا يستطيع الابتعاد كثيراً عما درج عليه الشعراء في مثل هذه المواقف، من ربط صورهم بمكونات البيئة البدوية الصحراوية بحيوانها ورمالها، فهو يصور تهاديهن كتهادي بقر الوحش في الرمال.

يقول:

فلما استوت أقدامُهُنّ ولم تكَدْ ... على هُضْمِ أكبادٍ وَلُطفِ خصورِ

تهادي نعاجِ الرّملِ مرَّتْ سواكناً ... بأجرعَ مُوْليِّ الدماثِ مطيرِ(1)

ويصف مشيتهن عندما جئن إليه متثاقلات متكاسلات كأنما هنَّ قطيع الخيل الذي اشتبك بقطيع من الماعز، وحاذر كل على نفسه الضرر في محاولته التخلص من الاشتباك، يقول:

فجئن وما يكدنُ إذا ارجحنَّتْ ... بها الأعجازُ من ثقلٍ ينونا

على خُرسٍ خلاخِلُها خدالٍ ... كمشي الخيل بالمعْزَى وجينا(2)

ويبالغ العرجي في وصف تمهلها وتأنيها وتقارب خطوها في مشيتها، وينفي أن يربكها أو يعجّل خطوها أي أمر مهما بلغت أهميته، وجلّ شأنه. يقول:

قطوف الخطا لو تُنْحل الخُلْدَ إن مشت ... سوى خذفةٍ أو قدرِها لم تَقدّم(3)

وحاول جرير أن يحوّر صورة الخيل بعض التحوير، لكنه ظل مشدوداً إلى ما هو سائد فشبه مشيتها بصغير الخيل الذي لم ينتعل بعد، ولم يزل لا يقوى على النهوض بقوائمه الضعيفة:

إذا ما مشت لم تنتهزْ وتأوَّدَتْ ... كما انآدَ من خيلٍ وجٍ غيرُ مُنْعَلِ(4)

وصنع المجنون مثل ما صنع جرير، قال: "كواعب تمشي مشية الخيل في الوحل"(5)

وهي في فتورها وضعفها تشبه ضعيف الحيوان الذي لم يشتد بعد في تشبيه لعمر بن أبي ربيعة:

(1) المصدر السابق: 77 لم تكد: أي لم تكد تستوي. نعاج الرمل: بقر الوحش والعرب تكنى عن المرأة بالبقرة والنعجة. المولي: الذي يلي الموسمي من المطر. الدماث: المكان الرملي اللين.

(2) ديوان العرجي: 94.

(3) المصدر السابق: 88. ويكرر في ص 133-126-157-154-164.

(4) ديوان جرير: 945.

(5) ديوان المجنون: 230.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ١٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ١٩٩