تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووجد الشعراء في مشية النساء مجالاً رحباً للخيال الذي يرصد المرأة وهي بعيدة عن مرمى النظر، فأكثروا من وصف مشية النساء كثرة مدهشة إذا ما قيست بوصف جمال الجسد، بل أستطيع أن أقول: إن متابعة الشعراء لأسراب النساء وهن يمشين فاقت رصدهم لمفاتنها الجمالية. ولم يقلّ الحديث عن كسلهن ونعمتهن ورفاهيتهن عن الحديث عن مشيتهن وتصويرها. حقاً كان شعراء الجاهلية يتحدّثون عن هذه الأمور جميعاً ويصفونها منذ امرئ القيس، ولكن هذا الحديث أو التصوير كان قليلاً جداً، إذا ما قيس بحديث شعراء العصر الأموي. ولعل سبب ذلك فيما أعتقد -يرجع إلى النقلة الحضارية التي شهدها هذا العصر، فأنا أعتقد أن خط التطور الحضاري بدأ ينزاح في نفس الشاعر الأموي، ينزاح قليلاً عن خط الموروث الثقافي، ويؤكد إعجاب الشعراء بالنموذج الحضري المترف للمرأة. إذ لا يمكن أن نحظى بصورة امرأة فقيرة، عاملة، متعبة، إلا في صورة هجاء، ولا يمكن أن تكون كل النساء في المجتمع الأموي أو أي مجتمع على حظ واحد من الترف والنعمة والثراء، ولا أن تكون كل النساء على قدر واحد من الجمال والسحر. فهل هي الرؤية الفنية التي تنزاح عن الواقع وتفترض هذا الجمال الآسر والدلال الفتّان؟ هل هو الشعر الذي يفترض ويقترح ما يجب أن يكون؟ والشعراء إذ يصفون مشية النساء المتبخترة المتمهلة يحركون الجسد الجميل الذي صنعوه بكلماتهم الملونة، فيتكامل جمال الصورة وجمال الحركة، ويتعانقان في انسجام بديع، ويكوّنان هذا المشهد الخلاّب. فهن في تمايلهن يشبهن العيدان الطرية الناعمة التي تهزها الريح بلطف ورعاية في قول جرير:

وإذا مشينَ مشينَ غيرَ جوادفٍ ... هزَّ الجنوبِ نواعمَ العِيدانِ(1)

ويرصد الفرزدق حركتها المتأرجحة المتثاقلة في تثنٍ آخاذ لا يخلو من تكاسل وفتور:

(1) نقائض جرير والأخطل : 199. الجوادف: المسرعات. العيدان: نوع من النخيل.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ١٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ١٩٧