ولا يكاد يختلف الطرماح عن هدبة، وهو يتأملها مقبلة مدبرة، يقول:
إذا أَدبرت أثّتْ وإن هيَ أقبلت ... فَرؤدُ الأعالي شختهُ المتوشّحِ(1)
وبدت تهتز من تحت الثياب كأنها الغصن النضر في شعر المجنون:
ويهتزُّ من تحتِ الثياب قوامُها ... كما اهتزَّ غصنُ البانِ والفنَنُ النَّضْرُ(2)
لكنه يجزئ المشهد في موقف آخر، فيقول:
عراضِ المطا قُبِّ البطونِ كأنما ... وعى السرَّ منهنَّ الغمامُ اللوامعُ(3)
لقد اكتملت صورة الجسد المثال. سوّاها هؤلاء الشعراء بأيديهم، وبرّؤوها من كل نقص أو عُوار، وما زالوا يعيدون النظر فيها، وينقّونها من الشوائب حتى استوت في أحسن تقويم، قطفقوا يطوفون بها عن قرب وعن بعد، ثم لم يلبثوا أن أضافوا إليها بعض الإضافات لتزداد بهاءً وإشراقاً. لقد أضافوا إلى هذا الجمال الأصيل ما جعل الصورة حية نابضة. تحدثوا عن المشية المتبخترة عند النساء، وأشاروا إلى الكسل المحبب المتضمن للدلال والغنج، والذي يقتضي منهن النوم حتى ساعة متأخرة من النهار، ثم أحاطوا الصورة بذكر من يقوم على خدمة المرأة من أتباع وخدم وجوار، وبذلك اكتملت الصورة الساحرة التي سيطرت على ذوق الشاعر العربي حتى فترة متأخرة من عصورنا الأدبية. وهم حتى في هذه الإضافات الحضارية كانوا يكرون موروثهم الثقافي، ويحلّونه في أشعارهم.
(1) ديوان الطرماح: 103. أثت: عظمت عجيزتها. رؤد الأعالي: رخصة لينة. شختة المتوشح: رقيقة الخصر.
(2) ديوان المجنون: 130.
(3) المصدر السابق: 181. المطا: الظهر. قب البطون: ضوامر. وعى: حفظ.