وكان الحديث عن ضمور الخصور وخمص البطون موظفاً توظيفاً جمالياً آخر قصد منه إبراز الأرداف الممتلئة، موطن الجمال ومكمن الإثارة في أشعار الشعراء، فقد أجمعوا على أن المرأة الجميلة يجب أن تتمتع بأرداف ضخمة مرتجة كأنها الكثبان الصغيرة المتراكمة حتى بدت الصورة قاعدة عامة أومعياراً جمالياً ثابتاً من خرج عليه فقد خرج على الذوق الأصيل والمعايير الجمالية السائدة، يقول ذو الرمة في وصف أردافها، ويشبهها بالتلة الصغيرة من الرمل:
أناة كأنَّ المرطَ حين تلوثُهُ ... على دِعصةٍ عزاءَ من عُجَمِ الرّمل(1)
وتفصح الصورة ذاتها عن ذوق "ذي الرمة" فيبدو شديد الإعجاب بالمرأة التي استوفت العناصر الجمالية، فهي هضيمة الحشا، ضامرة الخصر، ضخمة العجيزة ممتلئة العظام:
عجزاء ممكورة خمصانة قلق ... عنها الوشاح وتمَّ الجسمُ والقَصَبُ(2)
ويبدو عمر بن أبي ربيعة مقيداً بذوق عصره، وبما فرضه تراثه من خطوط الجمال العامة، فإذا هو كالآخرين يرى صاحبته غادة خمصانة ريّا الأرداف، فيتأملها بعين المعجب المتلبّث حيث يقول:
إني رأيتُك غادةً خُمصانةً ... ريَّا الروادفِ لذّةً مِبشارا
محطوطةَ المتنينِ أكمِلَ خَلْقُها ... مثل السبيكة بضّة معطارا(3)
وكان قد تأملها عندما رحلت، فعلقت بذهنه صورة مؤخرتها الضخمة، فقال فيها:
(1) ديوان ذي الرمة: 142. تلوث: تدير المرط: الإزار. الدعصة. الرملة الصغيرة.
(2) ديوان ذي الرمة: 28.
(3) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 128. الغادة: المرأة الناعمة اللينة الأعطاف، الخمصانة: الضامرة البطن. ريا الروادف: عبلتها، مبشاراً: طلقة الوجه تسر من ينظر إليها. محطوطة المتنين: ممدودتهما. السبيكة: الفضة. بضة: ناعمة. معطار: طيبة الريح.