فإذا فرغ هؤلاء الشعراء من الحديث عن وجوه حبيباتهم وشعورهن بعد أن قالوا فيها أطيب النشيد صاروا إلى أجزاء أخرى أكثر إثارة وفتنة. وسرعان ما انحدرت عين الشاعر لتتأمل جيد صاحبته، فاسترسل في صفة عنقها الطويل الجميل الأبيض المزين، كما رآه ذو الرمة:
بّراقة الجيدِ واللبّات واضحةٌ ... كأنها ظبيةٌ أفضى بها لَبَبُ(1)
ويشبه جيدها الطويل بجيد ظبية أفزعت فمدت عنقها تستطلع الآمان من حولها في قوله:
لها جِيدُ أمٍّ الخشفِ ريعَتْ فأتلعت ... ووجهٌ كقرنِ الشمسِ ريّانُ مشرِقُ(2)
ويذكر أيضاً أن أعناق الفتيات الجميلات اللواتي يشبهن الغزلان السارحة يصبن بها من يراهن فيصرعنه بحسنهن:
وشَفَّفنَ عن أجيادِ غِزلانِ رَملَةٍ ... فلاةٍ فكنَّ القتل أو شَبَهَ القتلِ(3)
ويدور عمر بن أبي ربيعة في الدائرة نفسها عندما يصف جيد صاحبته فلا يجد سوى جيد الغزال يمكن أن يضاهي جمال جيدها، لكنه يضيف إليه الزينة فيقول:
سلَبَ القلبَ دَلُّها وَنَقِيٌّ ... مثلُ جِيد الغزالِ يعلوهُ نَظْمُ(4)
ويعود سبب جمال جيدها إلى أنه هدية من ظبي فتي جميل كما يقول:
منعمة أَهدى لها الجيدَ شادِنٌ ... وأَهْدتْ لها العينَ القتولَ بَغُومُ(5)
ويكني عن طول جيدها بقوله:
بعيدة مهوى القرطِ إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم(6)
ويحاول ابن قيس الرقيات أن يصف جيدها، فلا يفتح الله عليه إلا بمثل أوصاف السابقين فيقول:
وجيد ريم مكحّلٍ ... يرتعي بالذنائب(7)
وفي شعر جميل بن معمر نقرأ الصفة ذاتها تقريباً، ولكنه يحدد أنها غزالة بيضاء جميلة ذات ولد، فيقول:
(1) ديوان ذي الرمة: 26. اللب: ما استرق من الرمل.
(2) المصدر السابق: 465. أم الخشف: ظبية. ريعت: أفزعت. أتلعت: اشرفت بعنقها.
(3) المصدر السابق: 145
(4) ديوان عمر بن أبي ربيعة:224
(5) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 221
(6) ديوان عمر: 208
(7) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات: 28. الذنائب: اسم موضع