وجَلَتْ عشيَّةَ بطنِ مكّةَ إذْ بَدَتْ ... وجهاً يُضيءُ بياضهُ الأستارا
كالشمس تُعجِبُ من رأى ويَزينُها ... حسبٌ أَغرُّ إذا تُريدُ فَخارا
سُقيتْ بوجِهكِ كلُّ أرضٍ جُبْتُها ... وبمثل وجهك أستقي الأمطارا
لو يبصر الثقف البصير جبينها ... وصفاءَ خَدِّيها العتيق لحارا
وأرى جمالَكِ فوق كلِّ جميلةٍ ... وجمالَ وجهكِ يَخْطَفُ الأبصارا(1)
وتأمل وجه واحدة أخرى فرآها تشبه البدر، وتبهر من ينظر إليها:
وجَلَتْ أسيلاً يومَ ذي خُشُبٍ ... ريان مثلَ فجاءةِ البدرِ(2)
وثالثة تشبه الشمس أيضاً في سطوعها وبهائها:
وكأنَّ ضوءَ الشمسِ تحتَ قناعِها ... أو مُزنةً أدنى بها القَطْرُ(3)
ولا يكاد ينفك عن إحدى هاتين الصورتين- صورة الشمس وصورة القمر- في وصفه لجمال وجهها، فهو يبدي فيهما ويعيد لكأن الطاقة الفنية لكليتهما لا تعرف النفاد.
يقول في رابعة:
لأسيلةِ الخدّين واضحةٍ ... يعْشى بسُنّةِ وجهها البدرُ
وعندما كشفت عن وجهها تريد أن ينظر إليها، ويتأمل حسنها لم يجد أجمل من تشبيهه الآنف الذكر:
فأرتني مُسْفرِاً حسناً ... خلْتُهُ إذا أسفَرتْ قمرا(4)
وللشعر أيضاً أسطورته الخرافية في السحر والإثارة، وإلاّ فما معنى هذا الحجاب الكثيف الذي يغطي الشعر ويحجبه عن كل العيون؟ وما هذه الحرمة التي تعظم ظهور الشعر وانكشافه، وتذهل الرجل عن كل مصائبه ليداري عن صاحبته انكشاف شعرها، كما حدث مع الخليفة عثمان بن عفان على ما يروي صاحب الأغاني "فعندما دخلوا دار عثمان لقتله نشرت نائلة شعرها، فقال لها عثمان خذي خمارك، فلعمري لدخولهم علي أعظم من حرمة شَعْرك"(5)
(1) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 127 يريد أن وجهها أبيض وأنها ميمونة الطالع. جبتها: قطعتها. الثقف: الفطن. وحار: دهش.
(2) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 154. أسيلاً : الخد الناعم الطويل
المصدر السابق :158.
(3) المصدر السابق: 410
(4) المصدر السابق: 162
(5) الأغاني: 15/ 71