تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق أن تجارب المجاهرة بالرذيلة، والغوص في ذكر التفاصيل الجنسية تكاد تغيب عن معظم الشعر الغزلي في العصر الأموي، لأنه كان وسيلة تعويض وألهية يشغل بها الشاعر نفسه وفراغه، وقد تكون إسقاطاً لوضعه النفسي والاجتماعي لكن من غير انحدار أخلاقي نحو المحرمات على حد تعبير الدكتور يوسف خليف عندما قال: "فالمسألة تدور حول الإعجاب البريء، واللذة الحسية المجردة من نوازع الجنس وغرائز النوع، وهو إعجاب يدفع صاحبه إلى محاولة دائبة للظفر بالمرأة الجميلة"(1)

وكان هؤلاء الشعراء يصدون في سلوكهم عن تأثير عاملي الدين والدنيا في نفوسهم كما ذكرت في غير هذا الموضع، بالإضافة إلى تأثرهم بما يسود مجتمعهم من سياسات وأساليب معيشة انعكست في تصوراتهم وأفكارهم فكان الحب عندهم تعويضاً والمرأة ملاذاً. لقد رأوا في حبها النعيم، وفي جمال جسدها اللذة المفقودة، وخارج مشاهد التشهّي والفوز باللذة التي مضت، أكثر الشعراء من التركيز على مظاهر الجمال في القد واللون والوجه وما يحتويه من خدود وعيون وشفاه إلى كل التفاصيل الأخرى.

ورأوها بعين المحب، فخلعوا عليها أحسن الصفات التي سنلم بها فيما يلي:

عبروا عن ترف المرأة التي يصفونها، وأشاروا إلى ما تنعم به من ألوان التحضر والرقي بالتغني ببشرتها الرقيقة الناعمة التي قد تتجرح وتدمى من كل ما يلامسها مهما كان حجمه ونعومته. وتراوحت صورة البشرة الناعمة في قالب واحد يكاد لا يتغير عند عدد من الشعراء الأمويين، فهي عند عمر بن أبي ربيعة:

منعمة لودبَّ ذَرّ بجسمها ... لكان دبيب الذر في الجسم يكلم(2)

ويبالغ في الصورة ذاتها مرة أخرى فيجعل صغار النمل تجرح جلدها من فوق ثوبها:

(1) في الشعر الأموي، دراسة في البيئات 149.

(2) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 216. الذر: صغار النمل. دبيبه: سيره.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ١٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ١٧٥