فهل هي وظيفة الفن إذاً الذي يحلم دائماً بتحسين الواقع المعاش، ورفعه إلى المستوى الأفضل والأقرب إلى ذائقة الشاعر الفنان؟ فهذه التي لا يشرب الماء من يدها بسبب سوادها وقبحها جعلها خيال الشاعر أجمل الجميلات، أهي المصالحة التي يفرضها الفن؟ أم هي صورة الجمال المثالية كما كان يحلم بها الشاعر الفنان منذ اشتعلت نار الغزل العربي أول مرة؟ ويبتدع الشعراء العذريون نموذج الجمال الأسمى، هؤلاء الذين حرموا متعة الجسد، وراحوا يعوضون متعتهم الضائعة بمتعة الإبداع الفني، فوصفوا المرأة وصفاً غريزياً يتشهون فيه جسدها، ويشبعون رغباتهم المكبوتة عن طريق الشعر، ففي شعر المجنون تلوح الرغبة الجامحة في قوله:
إن الشفاء عناقُ كلّ خريدةٍ ... كالخيزرانةِ لا نَمَلُّ عناقها
بيضٌ تُشبَّهُ بالحقاقِ ثُديُّها ... من عاجةٍ حَكَتِ الثديُّ حقاقَها
زانتْ روادفها دِقاقُ خصورها ... إني أُحِبّ من الخصورِ دقاقها
إنَّ التي طرق الرّحالَ خيالُها ... ما كنتُ زائرَها ولا طَرّاقَها(1)
ويحاول جميل إرواء غريزته عن طريق جسد المرأة الذي يصوره تصويراً شديد الإثارة، عامراً بالفتنة. فالمرأة في شعره ممثلة بثينة الحبيبة تأتي على هيئة طيف عطر يطرقه ليلاً، وقد نام الصحب، ومضى الليل إلا أقله، فيتأمّلُه تأمّل المستعذب المحروم، ويثبت النظر على بعض مواطن الفتنة، وينشر ملء المكان روائح الأقحوان والخزامى وندى الطل، ويضم هذا الشذا كله إلى حبيبته، فكأنه يريد بذلك كله أن يحقق ضرباً من الإشباع العاطفي بمخاطبة الحواس شعرياً يقول:
وقامَتْ تراءى بعدما نامَ صُحبتي ... لنا وسوادُ الليلِ قد كادَ يجلحُ
بذي أُشرٍ كالأُحوانِ يَزينُهُ ... ندى الطلِّ إلاّ أَنه هوَ أملحُ
كأَنَّ خزامى عالجٍ في ثيابِها ... بعيدَ الكرى أو فأرَ مِسْكٍ تُذبّحُ
كأَنَّ الذي يبتُّزها من ثيابِها ... على رَمْلةٍ من عالجٍ مُتَبطِّحُ
(1) ديوانه: 213