ولاريب في أن تعلق الشاعر بحبيبته وجمالها يكشف عن فيض إحساس عارم بالحياة واللذة والمتعة، وممارسة كل بهجة تبشر بحياة أرق وأحلى كما في تعبير ذي الرمة الآتي:
بّراقةُ الجيدِ واللباتِ واضحةٌ ... كأَنَّها ظبيةٌ أفضى بها لَبَبُ
عجزاءُ ممكورةٌ خُمصانةٌ قلقٌ ... عنها الوشاحُ وتمَّ الجسمُ والقصبُ
زينُ الثياب وإن أثوابُها استُلبَتْ ... فوق الحشية يوماً زانَها السَلَبُ
تُريكَ سَنَّة وجهٍ غيرَ مُقرفةٍ ... ملساء ليس بها خالٌ ولا ندب
إذا أخو لَذّةِ الدنيا تَبَطَّنها ... والبيتُ فوقهما بالليلِ محتجِبُ(1)
وكانت الصورة في اعتقادي ذهنية متخيلة، إذ ليس من المعقول أن تكون كل النساء على صفة واحدة، وقدر واحد من الجمال، ولكنه خيال الشاعر الذي يشكله على قدر قالبه المرسوم، وها هو ذا نصيب الشاعر ويؤكد وظيفة الخيال في إسباغ صفات الحسن والجمال على من يحب، وذلك عندما "طلب منه عبد الملك بن مروان أن ينشده فأنشده:
ومضمر الكشحِ يطويه الضجيعُ به ... طيَّ الحمائلِ لا جافٍ ولا فقر
وذي روادفَ لا يلقى الإزار بها ... يلوى ولو كان سبعاً حين يأتزر
فقال له عبد الملك: من هذه يانصيب، قال: بنت عم لي نوبية لو رأيتها ما شربت من يدها الماء. فقال له: لو غير هذا قلت لضربت الذي فيه عيناك"(2).
(1) ديوان ذي الرمة: 26، 30. اللب: ما استرق من الرمل، الممكورة: حسنة طيّ الخلق، خمصانة: ضامرة البطن، قلق عنها الوشاح: لضمورها. القصب: كل عظم فيه مخ، استلبت: أي خلقها حسن إن كانت مرتدية ثيابها وإن خلعتها على الفراش للنوم. السنة: الصورة، غير مقرفة: ليست بهيجة، الندب: أثار الجراح، تبطنها: علا فوقها محتجب: مستتر.
(2) الأغاني: 1/140