ويتقدم الزمن إلى عهد عبد الملك بن مروان الذي يروقه أن توصف النساء له، فينصحونه بقولهم: "خذها يا أمير المؤمنين ملساء القدمين، ردماء الكعبين، ناعمة الساقين، ضخماء الركبتين، لفاء الفخدين، ضخمة الذارعين، رخصة الكفين، ناهدة الثديين، حمراء الخدين، كحلاء العينين، زجاء الحاجبين، لمياء الشفتين، بلجاء الجبين، شماء العرنين، شنباء الثغر، محلولكة الشعر، غيداء العنق، مكسرة البطن"(1)وكان المطلوب في أذواقهم جميعاً النموذج الأنثوي الممتلئ، لأنه يتضمن رموزاً كثيرة منها الرفاهية والغنى، وعدم استهلاك الجسد أو الصحة في العمل، وكذلك الإثارة وإشباع الغرائز وكان هذا الوصف صورة من الجمال الذي يحلم به الشاعر ، ويجعل منه إطار الحياة التي يحبها، إذ كانت المرأة ممثلاً للحياة في نفسه، فقد كان إطارها الخارجي يمثل صورة الحياة المنشودة التي يحلم بها كل إنسان"(2)
فنجد عمر بن أبي ربيعة ينحت صورة للجمال تفتن الناظرين إليها بحسنها الباهر، ولكنه لم يستطع أن يتجاوز موروثه الجاهلي في خطوطه وألوانه:
صريع هوىً ناءَتْ بهِ شاهقيةٌ ... هضيمُ الحشا حُسّانةُ المتحسَّر
قطوفٌ ألوفٌ للحجالِ غريرةٌ ... وثيرة ما تحت اعتقادِ المؤزَّر
سبتهُ بوَحفٍ في العقاصِ مُرَجَّل ... أثيتْ كقنو النخلةِ المتكور
وخد أسيل كالوذيلةِ ناعمٍ ... متى يره راءٍ يهلّ ويُسْحَرِ
وعيْنَي مهاةٍ في الخميلة مطفلٍ ... مكحَّلةٍ تبغي مراداً لجؤذُرِ
وتبسِمُ عن غرٍّ شتيت نباته ... له أشرٌ كالأقحوان المنوَّر
وتخطو على بَرد يتّين غذاهما ... سوائلٌ من ذي جَمّةٍ مُتحيرِ
(1) المستطرف في كل فن مستطرف: 744
(2) الحياة والموت في الشعر الأموي: 495