تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد تبين لي -وهذه هي الملاحظة الأولى- أن هذه الأخلاق التي ذكرها الشعراء، وأعادوا القول فيها يمكن ردّها إلى ثلاثة مصادر هي: منظومة القيم الجاهلية، أو بعبارة أدق- ما استصفاه الإسلام من تلك المنظومة، ونقحّه وهذبه، ووجّهه وجهة إسلامية خالصة كالبخل وغض الطرف والحياء والصرم والخشية من القيل والقال وغير ذلك. ومنظومة القيم الإسلامية التي جاء بها الدين الحنيف، ودعا المرأة إلى التحلي بها صوناً لها ولأسرتها، وهي كنز من القيم الخلقية الرفيعة كالتدين والطهر والعفاف والحشمة وسواها كثير. ومجموعة من القيم الإنسانية العامة التي ترافق المرأة في كل زمن وأرض، وأعني بها الأخلاق المتصلة بطبيعة الأنثى أية كانت هذه الأنثى كالدلال، والمماطلة، وتضخم الإحساس بالذات، والمكر واللجوء إلى الحيلة بدلاً من المواجهة وما يشبه هذه الطبائع أو الأخلاق وقد أظهر لي تتبعي لأخلاق المرأة في الشعر الأموي أن مسالك الشعراء قد اختلفت في الحديث عن هذه الأخلاق وهذه هي الملاحظة الثانية، فقد سار معظم الشعراء على سنة واحدة، فأنابوا أنفسهم في الحديث عن المرأة، فهم الذين يقررون صفاتها تقريراً دون أن يقرنوا هذه الصفات بأحداث الحياة اليومية، ودون أن يسمحوا لتلك المرأة بإبداء رأيها، أو بالتعبير عن حقيقتها، فبدت صامتة خرساء أو كالخرساء، ولكن عمر بن أبي ربيعة فارق هذا النهج، فأنطق المرأة، ووضعها في مواقف مختلفة، وترك لها حرية التعبير عن نفسها، فأسرفت في الحديث عن هذه النفس حتى بدت ثرثارة تبوح بأسرارها كلها فلا تكاد تبقي منها سراً في موطن السر، وهذه هي المرة الأولى التي تبدو فيها المرأة في الشعر العربي ثرثارة لا تكفّ عن الحديث.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ١٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ١٦٠