ولا نعدم في أشعار الحجازيين مثل هذه المعاني السامية التي تمثل الفضيلة والقيم الإسلامية التي نبتت في أرض الحجاز فنرى الأحوص يتسامى مع هذه المرأة التي تحاوره في موقف أخلاقي شديد الحساسية، وهنا نلاحظ انقلاباً في صورة المرأة الأخلاقية في شعر شعراء مدن الحجاز لكن الأحوص يزجرها مستعرضاً مكارم أخلاقه ويبين لها أنه لا يخالف تعاليم دينه الصريحة في هذا المقام، يقول:
قالت- وقلت تحرّجي وصلي ... حبلَ امريءٍ بوصالكمْ صبٍّ
واصلْ إذنْ بعلي، فقلتُ لها ... الغدرُ شيءٌ ليس من ضربي
ثنتانِ لا أدنو لوصلهما: ... عرسُ الخليلِ وجارةُ الجنبِ
أما الخليلُ فلستُ فاجعهُ ... والجارُ أوصاني بهِ ربي(1)
وأجد نفسي هنا في منعطف حساس جداً، وهو تبين علاقة الشعراء مع المرأة المتزوجة، وإعلانهم عن هذا الموقف في أشعارهم، مما قد يخلخل بعض القيم الأخلاقية التي تتبعناها منذ بداية هذا الفصل.
فنشاهد المرأة خارج دائرة الأسرة والزوج والمجتمع تبحث عن إرواء الرغبة والمتعة بطريقة ملتوية. لكنها صورة قليلة تناولها عدد من الشعراء الذين عرفوا بالتهتك والاستهتار وقد تكون صورة متخيلة لا مرأة تثير رغبة جامحة في نفس الشاعر، فيعوض عن خيبته بالتخيل، ويثبت أمنياته في أشعاره التي تفارق الواقع، وتفترض ما يحب الشاعر أن يكون.
بيد أنني أستطيع أن أقول أيضاً: إنه لا بد من وجود مستويات أخلاقية مختلفة في المجتمع، ومن غير المعقول أن تكون كل النساء من مستوى أخلاقي واحد، وأن يكنّ جميعهن عفيفات طاهرات الذيل. كما أنه من غير المعقول أن يتحلى جميع الشعراء بالقيمة الأخلاقية ذاتها، هذه الثغرة التي كانت في المجتمع لهذا العصر هي التي استغلها بعض الشعراء المتهورين، وتجاوزوا ما فرضه المجتمع من القيم والقواعد الأخلاقية.
(1) ديوان الأحوص: 82 ضربي: عادتي وشأني، العرس: امرأة الرجل.