تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويصف ما يعتري نفوس النساء من إحساس بالحسد تجاه من تفوقهن جمالاً، وما يدور في نفس هذه الجميلة من الرغبة في انتراع اعتراف صديقاتها بأنها أجمل منهن، ورغبتها في إظهار تفوقها عليهن، وإدلالها بهذا الجمال، وبتغزل عمر بها. فهو يصورها تسأل رفيقاتها عن مدى صدقه في تصوير حسنها، ولكنهن بخبثهن المعهود ومكرهن يلتوين بالجواب، ويصطنعن الضحك، ويجبن إجابة ماكرة لا تحقق لها ما أرادت، ومتى كانت المرأة تقرّ لغيرها بأنها أجمل منها؟ وليس يخفى ما في هذه الإجابة من شوك الحسد وإن بدا ملّفعاً بالسخرية والهزء

زعموها سأَلَتْ جاراتِها ... وتَعَرَّتْ ذات يومٍ تَبْتَرِدْ

أَكما ينَعتُني تُبْصِرْنَني ... عَمْرَكُنّ اللّه أَمْ لا يَقْتَصِدْ

فتضاحَكْنَ وقد قُلنَ لها ... حَسَنٌ في كلّ عَينٍ مَنْ تَوَدِّ

حسداً حُمّلْنَهُ من شأنِها ... وقديماً كانَ في الناسِ الحَسَدْ(1)

و لايملّ عمر ولا يضجر من الحديث عن احتيال النساء للقائه، وتعلقهن به، وفوزهن بما يخططن له بظرف وذكاء، فيروي لنا كيف عملن للقائه على جهل منه، ثم يكشف عن حيلتهن الظريفة بقوله:

فلما تواقَفْنا وسلمتُ أَشرقَتْ ... وجوهٌ زهاها الحسنُ أَنْ تتَقنعا

تَبَالَهْنَ بالعرفانِ لّما عرفْنني ... وقُلنَ امرؤٌ باغ أكلَّ وأَوضَعَا

وقَرَّبْنَ أسباب الصِّبا لمتيَّم ... يَقيسُ ذِراعاً كلما قِسْنَ إِصْبعا

فلما تنازعنا الأحاديثَ قلنَ لي ... أَخفتَ علينا أن نُغَرَّ ونُخدعا

فبالأمسِ أرسلنا بذلك خالداً ... إليك وبيّنا له الشأن أجمعا

فما جئتنا إلا على وفق موعدٍ ... على ملإٍ منّا خرجنا له مَعَا

رأينا خَلاءً من عيونٍ ومجلساً ... دميثَ الرُّبا سَهْل المحلَّة مُمرعا

وقلن كريمٌ نالَ وَصْلِ كرائمٍ ... فَحُقَّ له في اليومِ أَنْ يتمتّعا(2)

ويضع على لسان صاحبته خطة أخرى تلقنها لصديقاتها بحذر وذكاء، وتحمل خطتها لوماً وعتاباً له بسبب هجره لها، ولكنه يرد عليهن بمثل ذكائهن وأكثر:

(1) ديوان عمر: 320

(2) المصدر السابق: 179

المرأة في الشعر الأموي (دراسة) · الصفحة ١٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المرأة في الشعر الأموي (دراسة)ص ١٥٠