وقد ضرب المثل بترس عمر أو مجنه، وطارت شهرته في الآفاق، وينبغي أن نلاحظ أن تعليق هؤلاء الفتيات على عمر ومسلكه ليس ردعاً له، ولا إنكاراً أو ما يشبه الإنكار، بل هو، في حقيقته، استثارة لفتوته، وإعجاب بها، واعتراف صريح أو كالصريح بهذا الإعجاب.
وقد أشار الدكتور شكري فيصل إلى مقدرة عمر بن أبي ربيعة في الكشف عن نفسية المرأة وأخلاقها الملتوية عندما قال: "كشف عمر عن نفسية الأنثى التي تعرف كيف تداور الأمر، وكيف تتجنب أزماتها الشداد وتعرف كيف تتقي المجتمع، وتقطع الطريق على الكاشح فتنصرف عن العنف إلى الحيلة"(1)
وقد استغلت الحيلة إلى أبعد مدى في مواقفها مع عمر، وفازت مرات كثيرة باللقاء الحذر بعد أن احتالت على الرقابة والمجتمع بأساليبها المختلفة.
قالَتْ أردتَ بذا عمداً فضيحتَنا ... وصرمَ حبلي وتحقيقَ الذي ذكروا
هلاَّ دسسْتَ رسولاً منك يُعْلِمُني ... وَلَمْ تُعجّلْ إلى أَنْ يسقطَ القمر(2)
وكان عمر برأي بعض الباحثين يعنى بوصف المرأة نفسها، ووصف أحاسيسها، وكأن غايته من ديوانه أن يصف المرأة وصفاً نفسياً(3)فها هي ذي تبدو والغيرة تنهش قلبها عندما علمت أنه قد تزوج واحدة أخرى، لكنها كتمت غيظها، وتظاهرت بعدم الاهتمام، وأخفت ما تعاني من غضب وقلق، ثم ضاق صدرها بناره، فأفضت بما فيه لصديقات لها هن موطن للسّر وأهل للتسارّ، يقول:
خَبّروها بأَنني قد تزوجْـ ... ت فظلَّتْ تكتّمُ الغيظَ سِرّاً
ثم قالت لأُختِها ولأُخرى ... جَزَعاً ليتَهُ تَزَوَّجَ عَشْرا
وأشارتْ إلى نساءٍ لديها ... ما ترى دونَهنَّ للسِّر سَتْرا
ما لقلبي كأنَّهُ ليسَ مني ... وعظامي إِخالُ فيهنَّ فتْرا
مِنْ حَديثٍ نُميْ إلىَّ فظيعٍ ... خِلتُ في القلبِ من تَلظّيْهِ جَمرا(4)
(1) تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام: 420
(2) ديوان عمر: 115
(3) العصر الإسلامي: 325
(4) ديوان عمر: 492